الليل ، وهذا المعنى كالتقييد بالصفة لا ينافي وجوب غيره ، بل يفصح عن ذلك ظاهر عبارة السيّد المنقولة عنه في ذيل احتجاجه على نفي الدلالة على النفي كما في كلام المصنّف وهي : « أنّ من فرّق بين تعليق الحكم بصفة وتعليقه بغاية ليس معه إلاّ الدعوى وهو كالمناقض بفرقه بين أمرين لا فرق بينهما » (١) وهذا هو الّذي يقتضيه الإنصاف ومجانبة الاعتساف.
لنا على ذلك : ما يستفاد من أهل العربيّة من أنّ توابع الكلام من المفاعيل وما يشبهها كالحال والتميز في أحد قسميه والظروف وما في حكمها كالمجرور بالحروف ، متعلّقات للفعل ـ ولو باعتبار المعنى ـ عدا جملة من التوابع الخمس المعهودة في بعض أحوالها كما لا يخفى ، ولذا لا عامل لها إلاّ الفعل ، مع قضاء الوجدان الصريح والذوق الصحيح بتأخّر رتبة الحكم ـ كالطلب الحتمي المتعلّق بالمادّة مثلا ـ عن تصوّر الفعل وظهور رجحانه عند المتكلّم ، وظاهر أنّ الرجحان وصف لا يظهر إلاّ بعد ملاحظة الفعل مع جميع الجهات الّتي لها مدخليّة في انعقاد هذا الرجحان من زمان أو مكان أو حالة أو اعتبار أو نحو ذلك ، ولا يكون ذلك إلاّ على تقدير [ كون ] الجهات المذكورة من مشخّصات الفعل.
ألا ترى أنّك في قولك : « اضرب زيدا راكبا ، أو يوم الجمعة ، أو في الدار ، أو تأديبا ، أو ضربا شديدا » لا تتكلّف بتركيب هذا الكلام ولا إنشاء مفاده إلاّ بعد ما ترجّح في نظرك ضرب زيد حال الركوب ، أو ضربه يوم الجمعة ، أو ضربه في الدار ، أو ضربه للتأديب ، أو ضربه الشديد.
ومن هنا قيل : إنّ مدلول الهيئة يرد على المادّة بعد اعتبار قيودها وحيثيّاتها ، وعلى هذا القياس التقييد بالغاية في نحو « صم إلى الليل » فإنّ الضرورة قاضية بأنّ السابق إلى ذهن المتكلّم أوّلا هو ظهور رجحان هذا المقدار من الإمساك ، وقضيّة ذلك كونها من قيود الإمساك.
ويؤيّده ما في كلام أهل العربيّة من أنّ الحروف ليس لها معان مستقلّة بنفسها بل هي امور نسبيّة رابطيّة ملحوظة آلة لتعرف حال الغير المعبّر بمتعلّقاتها ، فإنّ « من » و « إلى » في قولك : « من البصرة إلى الكوفة » إنّما يؤتى بهما لتعرف حال السير والبصرة والسير والكوفة من حيث كون البصرة محلاّ لابتداء السير والكوفة محلاّ لانتهائه ـ إمّا بمعنى بلوغه إيّاها أو بمعنى انقطاعه عندها ـ وهذا هو معنى ما ذكرناه في غير موضع من كون « من » وضعا للنسبة بين شيئين من حيث كون أحدهما مبدأ للآخر ، و « إلى » وضعا للنسبة بينهما من
__________________
(١) الذريعة إلى اصول الشريعة ١ : ٤٠٨.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
