قلت : مع أنّه لم يقل بذلك أحد ، أنّ الترتيب إن اريد استفادته عن تلك الأوامر فهي غير قاضية بذلك لورودها مطلقة من تلك الجهة ، وإن اريد استفادته من الخارج فهو مفقود في المقام فلا سبيل إليه أصلا.
فبجميع ما قرّرناه تبيّن أنّ الواجبات الكفائيّة المنوطة بصرف المؤونة على أنواع :
منها : ما يكون واجبا مطلقا على المسلمين مع وجوب صرف المؤونة عليهم أيضا كفاية على وجه التخيير فيه بين المتبرّع وقصد الاسترداد.
ومنها : ما يكون واجبا مطلقا أيضا عليهم مع وجوب صرف المؤونة عن بيت المال.
ومنها : ما يكون واجبا مشروطا بوجود ما يحتاج إلى البذل سواء حصل من البذل أو من غيره من الجهات.
ثمّ بقي في المقام شيء وهو أنّه قد ذكرنا الإشكال سابقا بالنسبة إلى العرفيّات من حيث استقرار بنائهم في الأوامر على الفرق بين ما يرجع مصلحة الواجب إليهم فيلتزمون بصرف المؤونة في موضع الحاجة للتوصّل إلى ما هو واجب عليهم ، وما يرجع المصلحة إلى غيرهم آمرا كان أو غيره فلا يلتزمون به.
ولكن لا يخفى أنّ هذا الفرق ثابت عندهم في المصالح الخاصّة وأمّا لو كانت المصلحة عامّة راجعة إلى آحادهم على سبيل الاشتراك مع كونها في موضع الوجوب الكفائي فبناؤهم فيه على الالتزام بجميع المقدّمات حتّى صرف المؤونة من أنفسهم ـ كما لو أمر السلطان رعاياه بتعمير سور البلد مثلا حفظا لهم عن اللصّ وغيره من الأعداء فإنّهم لا يزالون حينئذ يقدمون على العمل ويصرفون من أنفسهم المؤونة ولا يتوقّفون على وصولها من السلطان ، وكأنّه لقيام قرينة عندهم دالّة على كون هذا الوجوب مطلقا غير مشروط بوجود المؤونة عندهم من مال السلطان ، فعلى هذا لا يبعد المصير إلى وجوب البذل في الشرعيّات أيضا فيما لو كان وجوب الكفائي لمصلحة عامّة لجميع المكلّفين كحفظ بيضة الإسلام ونحوه ، فيكون ذلك حينئذ نوعا رابعا من أنواع الكفائي هذا.
ورابعها : أنّ الكفائي هل يجوز فيه إقدام الكلّ أو أكثر من واحد على أدائه أو لا؟ وعلى تقدير الجواز فهل يقع العمل في كلّ واحد على وصف الوجوب أو لا؟
وتفصيل القول فيه : إنّك قد عرفت أنّ الكفائي ما يعمّ الكلّ في تعلّقه ، بمعنى أنّه يتعلّق بكلّ واحد من المكلّفين على سبيل التعيين ، وأمّا في حصوله الموجب لسقوط الفرض فقد
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
