طلبه كيلا يراه فيرقّ له بتحريك عرق الأبوّة فتلحق به رقّة الآباء. وبالجملة فإنه بعد أن رأى ليلة التّروية ذلك المنام وأصبح تروّى في ذلك المنام من الصّباح الى الرّواح : أمن الله هذه الرّؤيا أم من الشيطان ، فمن ثمّ سمّي يوم التّروية. فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنّه من الله ، ولعلّه بإلهام منه تعالى أوحى إليه فسمّى ذلك اليوم يوم عرفة. ثم رأى مثله في اللّيلة الثالثة فاطمأنّ فهمّ بنحره فسمّي يوم النّحر. وعند ما اهتّم بنحره وتلّه للجبين جاءه النداء من قبل الرّب : يا إبراهيم.
١٠٤ و ١٠٥ ـ (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ... قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ...) أي بالعزم على الإتيان بما كان تحت قدرتك واستطاعتك من مقدّمات العمل. وجواب «لما» في (فَلَمَّا أَسْلَما) محذوف وتقديره : (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ) ، إلى قوله (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) ففازا وظفرا ونجوا من محن الابتلاء والامتحان. قال الرّازي : احتجّوا بهذه الآية على أنّ الله قد يأمر بما لا يريد وقوعه ، والدليل عليه أنه سبحانه أمر بالذبح وما أراد وقوعه. أمّا أنّه أمر بالذبح فلما تقدّم في تفسير الآية. وحيث إنه لم يقع يكشف أنه ما أراد وقوعه فإن الله تعالى نهى عن ذلك الذبح ، والنهي عن الشّيء يدل على أن الناهي لا يريد وقوعه فثبت أنه تعالى أمر بالذبح وأنه ما أراده. ويدلّ ذلك أيضا على أن الأمر قد يوجد من دون الإرادة ، فيستفاد أن غرض الآمر ليس أن يأتي المأمور بما أمر به ، لأن ذلك الفعل قد يكون وقوعه مبغوضا عند الآمر بل الغرض من الأمر به أن يوطّن المأمور نفسه على الانقياد والطّاعة ، فإذا انقاد وفعل مقدمات التكليف رفع عنه عند ذلك التكليف ، لأن الغرض قد حصل ويعبّرون عن هذا الأمر بالأمر الاختباري أو الانقيادي ، ويثاب عليه فيما إذا لم يأت بالمأمور به ، أي الذي لم يرده الآمر. وإذا أراده وجاء به المكلّف فالثواب على المكلّف به فقط لا عليه وعلى مقدّمته على ما يستفاد من الأخبار وكثير من الأقوال. والتحقيق في المقام أن يقال كما قيل في الأوامر
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٦ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3720_aljadeed-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
