أنكرتم رسالة يوسف وما سمعتم قوله فيما جاءكم من عند ربّكم وزعمتم أنه لا يجيء بعده نبيّ آخر من عند الله سبحانه يدعوكم إلى سبيل الرشاد ، فقلتم لن يبعث الله من بعد يوسف رسولا إلينا خوفا من أن ننكره كما أنكرنا يوسف ، فثبتّم على كفركم وجحودكم وظننتم أن الله لا يجدّد لكم إيجاب الحجة ولا يبعث إليكم رسولا جهلا منكم بأن الله ليس بتابع لظنكم ولا يحتاج إلى عبادتكم ولا يعتني بكفركم وجحودكم ، بل خلق العالم وما فيه وجعل له أنظمة ، ومنها أن لا تخلو أرضه من حجّة أطاعه الناس أم لا (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الضّلال الفظيع (يُضِلُّ اللهُ) عن طريق الحق والصّواب (مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ) أي من جاوز حدوده المقرّرة له في شرعه وشكّ في دينه الذي تشهد به البراهين الواضحة وأثبتته الرّسل بالمعجزات الباهرة. وهذا الكلام من باب إيّاك أعني واسمعي يا جارة بالنظر إلى فرعون فهو المصداق المتيقّن من المسرف والمرتاب.
٣٥ ـ (الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ ...) أي الذين يتخاصمون خصومة شديدة مع الرّسل في ما أتاهم من عند الله من المعجزات لإثبات دعواهم أثناء تحدّيهم للرّسالة (بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ) بلا حجّة وبيّنة تأتيهم ، بل يجادلون تقليدا ، أو بكلمات لا طائل تحتها مثل الشبهات الداحضة (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ) مقتا تمييز ، أي هذا العمل يبغضه الله بغضا شديدا وهو كبير عنده من حيث الفظاعة والشناعة (وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا) أي عندهم أيضا عظيم من حيث إنه عمل شنيع ومبغوض عندهم بغضا شديدا. وقرنهم بنفسه تعظيما لشأنهم (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الطبع الذي فعله على قلوب تلك الجماعة هكذا ختم على قلب كل متكبّر جبّار (يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) عرّض بكلامه بفرعون ، ومقصوده الأول منه هو وإن ساقه بحيث يعمّ غيره. ولما أتمّ المؤمن الوعظ والنّصح بأكمل وجه وأحسن بيان وأجمعه خاف فرعون من أن تؤثّر هذه
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٦ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3720_aljadeed-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
