(قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي). هذا المال من علمه هو .. من موهبته ومهارته .. وللإنسان أن يستغل علمه وموهبته في السلب والنهب ، والتقتيل والتشريد ، وفي كل ما يهوى ويريد .. وليس قارون بدعا في هذا المنطق .. فقد وضعت الولايات المتحدة الأمريكية مخططا لشراء العقول والمواهب من مختلف أنحاء العالم ، وأغرت العلماء والخبراء بالهجرة اليها ، وأسمت هذا المخطط «برين درين» أي استنزاف العقول ، والقصد منه أن تستخدم المواهب الانسانية في نهب ثروات البلاد وأقوات العباد في شرق الأرض وغربها.
(أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً)؟ وكيف يعلم وقد أطغاه المال والجاه ، وأعماه عن عاقبة الظلم والبغي ، وأنساه ما سمع عن القرون الأولى ، وانها كانت أكثر منه مالا وأعز نفرا ، ولما طغت وبغت أذاقها الله عذاب الخزي في الحياة الدنيا ، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى .. وضرب المفسرون مثلا بقوم نوح وعاد وثمود ، ولو كنت في عصرهم لم أعد أمثلتهم ، ولو كانوا في عصري لاكتفوا بما حدث في «ليبيا» في هذا الشهر الذي أكتب فيه كلماتي هذه ، وهو شهر أيلول من سنة ١٩٦٩ حيث قامت مجموعة من الشباب الليبي ، وعزلت الملك السابق ، وهو أقوى وأغنى من قارون ، ومن ورائه الصهيونية والاستعمار .. واستولى على الحكم الذين يمثلون الشعب الليبي ، ويعبّرون عن أمانيه ، وهم الذين نكّل بهم الملك المخلوع واضطهدهم بالحبس والتشريد ومصادرة الأملاك.
(وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) أي ان الله يعذبهم بغير حساب. وتسأل : كيف تجمع بين هذه الآية ، وبين الآية ٩٣ من سورة الحجر : (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) وفي معناها كثير من الآيات؟
الجواب : المراد بالمجرمين هنا الذين يعتدون على حقوق الناس وحرياتهم ، ويثيرون الفتن والحروب من أجل مصالحهم ومنافعهم ، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بغير حساب حتى ولو هللوا وكبروا ، وعليه يكون قوله تعالى : (وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) ، مخصّصا لقوله لنسألنهم أجمعين أي لو جمعنا بين القولين لكان المعنى لنسألنهم أجمعين إلا من اعتدى على حقوق الناس فإنه يدخل النار من غير سؤال.
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
