حتى يكون له أيد حقيقة ، قال ابن عربي في الفتوحات : ان أهل الله يقسمون المخلوقات الى نوعين : نوع يوجده سبحانه بكلمة «كن». ويعبرون عن هذا بعالم الأمر ، لأن قوله «كن» أمر ، ونوع يوجده بأيدي الأسباب ، ويعبرون عنه بعالم الخلق. وتقدم الكلام عن ذلك مفصلا في المجلد الأول من هذا التفسير ص ٣٩٢ فقرة «الله وسنن الطبيعة».
(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ). غريب ، ولا شك ، أن يعبد العاقل أحجارا لا تضر ولا تنفع ولكن الأغرب أن يحرسها ويقوم على حمايتها من السرقة أو التحطيم ، وفي الوقت نفسه يرجو أن تنصره في الشدائد ، وتقرّبه من الله زلفى (لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) أي ان الأصنام أعجز وأحقر من أن تنصر نفسها فكيف تنصر غيرها؟ (وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ). ضمير «هم» للمشركين ، وضمير «لهم» للأصنام ، ومحضرون حاضرون أو قائمون ، والمعنى ان الأصنام لا تجدي المشركين نفعا ، ومع ذلك يتجندون ويتطوعون للذب عنها كل حين .. وهنا مكان الغرابة.
وفوق هذا كله قال عبدة الأصنام عن النبي (ص) : مجنون .. ولما ذا؟ لأنه لا يعبد الأحجار ، وهم العقلاء لأنهم يعبدون ما ينحتون (فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) يا محمد : إنك مجنون أو شاعر أو كاهن (إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ). أضمروا الحقد والضغينة على النبي (ص) ، وأعلنوا الطعن به وبدعوته .. وليس من شك ان الله بذلك عليم وقدير على حسابهم وعذابهم .. اذن ، لما ذا الحزن والألم؟.
قال من يحيى العظام الآية ٧٧ ـ ٨٣ :
(أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
