ظلمه ، ولكنه لم يشر الى السبب ، ولذا اختلف الفقهاء في تحديده ، فمن قائل : ان كاهنا قال لفرعون : يولد مولود في بني إسرائيل ينتزع منه الملك. وقائل : ان الأنبياء الذين كانوا قبل موسى بشّروا بمجيئه ، ولما علم فرعون بذلك خاف وذبح أبناء إسرائيل .. وما رأيت أحدا من المفسرين أو غيرهم قال : ان فرعون اضطهد اليهود لأنهم على دين ابراهيم.
وإذا نظرنا الى سيرة بني إسرائيل مع نبيهم ومخلّصهم موسى ، ومع غيره من أنبيائهم الذين جاءوا بعد موسى حيث كانوا يكذبون فريقا وفريقا يقتلون ، ونظرنا الى سيرتهم وأعمالهم في كل بلد يحلّون فيه من اثارة الفتن ، وتدبير المؤامرات ، ومحاولة السيطرة على وسائل الانتاج والدعاية وغيرها من المرافق العامة ، إذا نظرنا الى ذلك كله تبين لنا صحة ما قاله الشيخ المراغي في تفسيره : ان فرعون انما اضطهد بني إسرائيل لأنه كان يتوجس خيفة من الذكران الذين يتمرسون الصناعات وبأيديهم زمام المال ، فإذا طال بهم الأمد استولوا على المرافق العامة ، وغلبوا عليها المصريين ، والغلب الاقتصادي أشد وقعا من الغلب الاستعماري.
أجل ، ان فرعون طغى وبغى ، وتجاوز الحد في ذبح الأبناء واسترقاق النساء ، ولكن هذا التعدي والطغيان كان سببه اليهود ، فالتبعة تقع على الاثنين معا : على اليهود لحقدهم وسوء تصرفهم وأهدافهم ، وعلى فرعون لأنه أخذ البريء بجرم المذنب.
متى يمن الله على المستضعفين؟
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ). المستضعفون في الأرض هم الذين يضطهدهم الأقوياء ، ويتسلطون على أقواتهم ومقدراتهم ظلما وعدوانا ، والله سبحانه يمن عليهم بالحرية والخلاص من الاضطهاد إذا جاهدوا وثابروا واستماتوا من أجل حياتهم وكرامتهم تماما كما يمن سبحانه على المريض بالشفاء إذا استعمل العلاج الصحيح ، وعلى الفلاح بالثمر إذا عمل واتقن .. ان لله سنة في خلقه ، وهي ان تجري الأمور على أسبابها ، والغايات على وسائلها ، ولن تجد لسنة الله تبديلا .. أبدا. كل من سار على الدرب وصل مؤمنا كان أو كافرا .. أما جزاء الكفر
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
