(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ). حذره قومه من عاقبة البغي والفساد ، فنفخ الشيطان في أنفه ، وأخذته العزة بالإثم ، وجمع خدمه وحشمه ، وركب في موكب فخم يعرض على الناس ثراءه وكبرياءه تحديا للذين وعظوه وحذروه من سكرات الترف والبغي.
(قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ). نظر ضعفاء العقول الى المال والزينة ، وذهلوا عن عاقبة البغي والكبرياء فتمنوا أن يكون لهم مثل ترف قارون وأبهته ليغرقوا في الملذات والشهوات ، ولو نظروا بعين البصيرة لقالوا كما قال أولو العلم.
(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ). ضمير يلقاها يعود إلى المثوبة والمنزلة عند الله التي دل عليها سياق الكلام ، والمعنى ان أهل العلم بالله قالوا لضعفاء العقول : لقد نطق الشيطان على ألسنتكم .. ان ما عند الله خير وأبقى ، وما اعتز أحد بغيره تعالى إلا أذله وأخزاه ، قال الإمام علي : رب مغبوط في أول الليل قامت بواكيه في آخره. وقال : ما قال الناس لشيء طوبى له إلا وقد خبأ له الدهر يوم سوء.
(فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ). ولا ينجو ظالم من الخسف في الدنيا قبل الآخرة ، وليس من الضروري أن يكون الخسف بالأرض فقط ، فيكون أيضا بالخزي واللعن على ألسنة الخلائق ، وبأيدي المظلومين والمحقين .. وقد دلتنا التجارب ان الظالم إذا نزل به القصاص والعقاب تخلى عنه وتبرأ منه كل الناس حتى أعوانه وأرحامه ، وحسبه هذا خسفا ونكالا.
(وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ). بالأمس قال الضعفاء : يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون لأنهم نظروا الى الدنيا وزينتها ، وذهلوا عن عاقبة البغي والكبرياء ، أما اليوم ، وقد شاهدوا دائرة السوء تدور على رأس الطاغية قارون ، فقد أدركوا الحقيقة وحمدوا الله الذي لم يؤتهم مثل ما أوتي الطغاة. وفي نهج البلاغة : فكم من منقوص رابح ، ومزيد خاسر .. ومن هنا قيل : الأمور بخواتيمها.
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
