(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ). ان تاريخ أهل الأرض متخم بالعبر والعظات لمن يعتبر ويتعظ ، فكم من أمة بلغت الغاية من الترف والحضارة ، ولما طغت وبغت أخذها الله بظلمها أخذ عزيز مقتدر (فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) من سلطان وأموال ، وما يبنون من قصور وقلاع. وتقدم مثله في الآية ١٠٩ من سورة يوسف و ٤٦ من سورة الحج و ٩ من سورة الروم.
(فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ). المراد بفرحوا هنا اغتروا ، وبالعلم أسباب الثراء أي العلم العملي الذي ينتج الغذاء والكساء ، ويشير إلى ذلك قوله تعالى : (وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ). وقال قارون : (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) لمن قال له : (وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ) والمعنى ان الله أرسل فيما مضى رسله بالحجج القاطعة لأمم تملك أسباب الثراء كالمصانع ونحوها ، فاغتروا بهذه الأسباب أو بهذا العلم ، وسخروا من أنبياء الله وكتبه تماما كما هي حال الشركات الاحتكارية اليوم التي تكفر بالحق والانسانية وتسخر من قيمها ومن أماني الشعوب (وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أخذهم الله بطغيانهم وأصابهم وبال استهزائهم .. وهذه نهاية كل من طغى وبغى وان طال الزمن.
(فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ). حين كانوا في أمان من سطوة الله كفروا به ، ولما رأوا العذاب قالوا آمنا (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) لأن هذا ليس من الايمان في شيء ، وانما هو محاولة للفرار من عذاب الحريق ، ولكن أين المفر والإله الطالب؟ (سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ) وهي ان الله يسمع التوبة ويقبلها في دار التكليف والعمل ، لا في دار الحساب والجزاء (وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ) وكل مجرم فهو خاسر وخائب.
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
