وما ذكر من الاستقراء المتضمّن للغلبة إنّما ثبت في الشرعيّات لا في العرفيّات وباب الدلالات.
وخامسا : لمنع جدواه في ثبوت ما مقصود المقام ، لأنّ الثابت في المورد الغالب هو الحرمة ووجوب الاجتناب على وجه الحكم الظاهري كما هو الحال في عبادة أيّام الاستظهار وارتكاب أحد الإناءين ، والمقصود من الترجيح هنا إثبات المحرّم الواقعي ، لأنّ مورد اجتماع العامّين [ الّذي ] هو محلّ التعارض مردّد بينه وبين الواجب الواقعي فلو بنينا على الأخذ بموجب الغلبة فيه يحكم عليه بالحرمة الظاهريّة أيضا وإن لم يكن محرّما في الواقع لأنّ الظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب ، وهذا كما ترى ليس بالمقصود بل المقصود استعلام ما ارتكبه المتكلّم في كلاميه من التخصيص وتعيين محلّه من العامّين ، وظاهر أنّ الحكم الظاهري حيثما ثبت عند الشبهة في دلالة اللفظ لطروّ إجمال ذاتي أو عرضي للفظ لا يتعرّض لحكم اللفظ ولا يرجع إلى مفاده حسبما هو في لحاظ المتكلّم وضميره وإلاّ كان حكما واقعيّا ، بل هو حكم يرجع إلى موضوع عامّ يتولّد من فرض الإجمال وهو مغاير لموضوع حكم اللفظ جزما بل اللفظ بعد باق على إجماله ، إذ لم يتبيّن أنّ ما صدر من المتكلّم من التصرّف هل هو رفع للأصل الجاري في هذا العامّ أو طرح لما يجري في صاحبه؟
ومن الأعلام (١) من اعترض عليها بعد منع الحجّيّة بكونها معارضة بأصل البراءة ولا خفاء في سقوطه ، فإنّها إن كانت حجّة ـ كما هو ظاهر كلامه قدسسره ـ فلا يعارضها أصل البراءة إذ الأصل العملي لا يعارض الدليل الاجتهادي ، وإن لم تكن حجّة فلا معارض لأصل البراءة لأنّ الظنّ الغير المعتبر والشكّ سيّان في عدم الاعتبار ودخولهما في موضوع الأصل.
واحتجّ بعض الأعاظم على ما صار إليه : « بأنّ التعارض فيما بين العامّين ـ بناء على القول باقتضاء النهي فساد العبادة أو هي مع المعاملة ـ يوجب الشكّ في الصحّة بالنسبة إلى مورد الاجتماع.
والمفروض أنّ الصحّة لا تتأتّى إلاّ على تقدير موافقة المأمور به ، والموافقة غير ثابتة بل لا أقلّ من الشكّ وفيه كفاية في البطلان ، كيف وهو موافق للأصل فعدم ثبوت خلافه كاف في الحكم به ، فظهر بذلك أنّ الحكم بالبطلان ليس لأجل تخصيص الأمر بل للأصل » (٢).
وفيه : أنّ إثبات البطلان بالأصل المذكور إنّما يصحّ في موضع لم يقم فيه دليل على الصحّة لا عموما ولا خصوصا والمقام ليس منه لقيام المقتضي للصحّة وهو عموم الأمر ،
__________________
(١) القوانين ١ : ١٥٣.
(٢) إشارات الاصول : ١١٢ نقلا بالمعنى.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
