المعنى تنبّه المورد فقال بعد الإيراد المذكور : « ويمكن توجيهه : بأنّ المراد خصوص البداء فيما ظهر له من الله تعالى وعلم من قبله أنّه يذبحه ويصدر عنه بقرينة قوله : ( أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) لا « أمرني الله بذبحك » فيكون في المعنى إخبارا عن حصول هذا الفعل في الخارج بدون منع من الله تعالى ، ثمّ بدا له فلم يقع في الخارج ، مثل إخبار عيسى بموت العروس ثمّ ظهور خلافه » (١) ولكن يشكل ذلك : بأنّه لا يلائم إقدامه على فعل المقدّمات وعزمه على الذبح كما تنبّه عليه المورد قائلا : « ويرد عليه : أنّ رؤيته عليهالسلام ذبحه في المنام كانت مسبّبة عن أمره تعالى به » (٢) لا لما استشهد به من قوله حكاية عن ولده ( يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ) فإنّه لا شهادة فيه صريحا على وقوع الأمر فعلا ، خصوصا مع احتمال كونه مرادا به إظهار الرضاء بالقضيّة على تقدير وقوعها وإن لم يقع بعد ، بل لأنّه لولا ذلك لكان الإقدام على المقدّمات مع العزم على الذبح منافيا للعصمة الواجبة في الأنبياء ، لكون الذبح من أظهر أفراد الظلم الّذي استقلّ العقل بقبحه ، فإنّ مرجعه إلى اهلاك النفس المحترمة ، وقبحه من المستقلاّت العقليّة فكيف يقدم عليه مثل إبراهيم عليهالسلام بدون إذن من الله تعالى؟ فلم يكن هذا منه إلاّ من جهة أنّه علم بأمره تعالى إيّاه بالذبح ولو على نحو الأمر التوطيني.
ولا يعارض القبح المذكور بقبح آخر يلزم بالنسبة إليه تعالى من خطاب النائم وأمره بالفعل فإنّه قبيح عقلا ، والمفروض أنّ هذا الأمر على فرض صحته قد ثبت حال النوم فيكون محالا كاستحالة الإقدام على القبيح من المعصوم ، لأنّ ذلك لا يقتضي كونه على سبيل المخاطبة ، ولا توجّه الأمر إليه حال النوم حتّى يقال باستحالته مع عدم العلم بالصدور ، بل الرؤيا في حقّه ضرب علامة منه تعالى على صدور الطلب في اليقظة وتنجّزه عليه فيها ، فقد علم من جهة تلك العلامة المضروبة له بصدور الطلب وتوجّهه إليه لما عهده عليهالسلام من أنّ أمثال هذه الرؤيا منه ـ كما في سائر الأنبياء ـ علامات على طلباته ، والمفروض أنّه عليهالسلام بعد تيقّظه التفت إلى منامه فعلم بأمره تعالى ولذا أخبر عنه بقوله : ( إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ )(٣) مع أنّ نوم الأنبياء لا يقاس على نوم غيرهم كما ورد في خواصّ نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم.
وأمّا ما يقال : من أنّ الأولى أن يكون قد أوحى إليه في حال اليقظة وتعبّد بأن يمضي ما يؤمر به في حال النوم ، بظاهره غير مستقيم لتوجّه المحذور بالنسبة إلى تعبّده بالإمضاء
__________________
(١ و ٢) القوانين ١ : ١٢٧.
(٣) الصّافات : ١٠٢.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
