قوله : « إن جاءك زيد فأكرمه » لا يحكم بنفي وجوب إكرام عمرو إذا جاء حال عدم مجيء زيد ، مع أنّ قضيّة الشمول ثابتة هنا أيضا ، والّذي يشهد بذلك عدم فهم المعارضة بين هذا المفهوم وما لو قال بعد القول الأوّل : « إن جاءك عمرو فأكرمه » أصلا ومن هنا لو قال : « إذا قصدك عدوّك بسيفه فادفعه » لا يقال : إنّه يفهم منه عدم وجوب دفع المحبّ لو قصد بسيفه ، بل التحقيق أنّ اعتبار هذا المعنى في المفهوم يرجع بالأخرة إلى اعتبار مفهوم اللقب ، وهو خلاف التحقيق بل مناف لما استقرّ عليه المذهب.
نعم ربّما يرد على الجمود على حكم عدم مجيء الفاسق أنّه يؤدّي إلى إخراج السالبة في جانب المفهوم إلى كون سلبها باعتبار انتفاء الموضوع وهو خلاف ظاهر القضيّة حيثما اطلقت.
ولكن يدفعه : أنّ ذلك على تقدير صحّته إنّما يسلّم في القضايا الملفوظة ، وهي في المقام من القضايا المعقولة الصرفة الّتي لا تتّصف بما هو من أوصاف الألفاظ لكونها من الامور اللبّية فلا يعقل فيها ظهور ولا خلافه ، مع أنّ إدخال ما ليس ممّا سيق الكلام لإفادة حكمه في المفهوم أشدّ مخالفة للظاهر من حمل السالبة على المنتفية بانتفاء الموضوع ، ضرورة كون ذلك بالقياس إليه أظهر بمراتب شتّى فيكون متعيّنا ، والفرار عن مخالفة ظاهر لا يقضي بالتزام مخالفة ظاهر آخر إلاّ إذا كانت أهون منها في نظر العرف والمفروض خلافه ، بل هي عن أصلها بمعزل عن الاعتبار في بديهة المحاورات كما عرفت.
مع أنّ لنا أن نمنع ورود الآية الشريفة مورد افادة المفهوم ، لجواز كون المقصود الأصلي فيها التنبيه على فسق مورد نزولها ، أو إفادة الحكم في مورد الغالب نظرا إلى أنّ الغالب على الفاسق إنّما هو تطرّق الكذب إلى أخباره ، والغالب في حكمة إيجاب التبيّن إنّما هو استظهار كذب الخبر عن صدقه ، وهو لا ينافي وجوبه في خبر العادل لحكم اخرى ، فيدور الأمر بين ارتكاب هذا النحو من خلاف الظاهر وبين ما تقدّم فلا بدّ من الترجيح ، مع أنّ العلّة المنصوصة كثيرا مّا تجري في خبر العادل أيضا ، لأنّه وإن كان بعد التأمّل لا يتعمّد في الكذب إلاّ أنّه لا يأمن عن الخطأ والاشتباه والسهو والنسيان والتورية والتقيّة ، بل وتعمّد الكذب أيضا لمصلحة اخرى راجحة على مصلحة الصدق في الواقع أو في نظره ، بل كثيرا مّا يعوّل في إخباره على من أخبره وهو كاذب في نفس الأمر.
ولا ريب أنّ هذه الجهات إذا لو حظت في خبر العادل كان كخبر الفاسق في إفضاء العمل به من غير تبيّن إلى الندم.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٤ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1386_taliqaton-ala-maalem-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
