المعنى :
(طس) تقدم الكلام عن مثله في أول سورة البقرة (تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ). تلك إشارة إلى هذه السورة ، والقرآن والكتاب بمعنى واحد ، والاختلاف بينهما بالوصف لا بالذات ، وبالعرض لا بالجوهر ، فهو قرآن لأنه مقروء ، وهو كتاب لأنه مكتوب ، وهو مبين لأنه واضح ، وهو أيضا (هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) يرشد من طلب الهداية إلى الحق ، ويبشره بالجنة ان آمن به وعمل (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). ليس الإيمان بشيء عند الله إلا إذا ظهرت آثاره ومقتضياته للعيان ، ومن أهمها الصلاة والزكاة. وبالاختصار ليس الإيمان الحق فكرة في الرأس ، ولا كلاما يدور على اللسان ، وإنما هو سلوك وعمل.
وتسأل : ان مقيمي الصلاة ومؤدي الزكاة هم الموقنون بالآخرة ، فما هو الوجه لقوله تعالى : (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)؟.
الجواب : المراد أنهم يؤمنون بالآخرة إيمانا لا ريب فيه ، تماما كمن قد رآها.
(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ). عميت قلوبهم عن أعمالهم وما فيها من فساد وضلال ، فاقترفوها دون خوف من حساب وعقاب.
وتسأل : أسند سبحانه هنا التزيين الى نفسه حيث قال : (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ) وفي الآية ٦٣ من سورة النحل أسند التزيين إلى الشيطان حيث قال : (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ). فما هو وجه الجمع بين الآيتين؟.
الجواب : أسند التزيين في آية سورة النحل إلى الشيطان بالنظر إلى أنه هو الذي يغري ويوسوس ، وأسنده اليه تعالى هنا بالنظر إلى أن سنّة الله ومشيئته قضت بأن يعمى عن سوء أعماله من لا يؤمن باليوم الآخر ، تماما كما قضت مشيئته تعالى بالموت والهلاك على من يسلك الطريق المؤدية اليه ، وبتعبير ثان ان من لا يؤمن بالآخرة يفعل الحرام ، وهو يرى انه حلال ، لأن الله جعل عدم الايمان سببا للجهل بالحرام .. وإذا قال قائل : إن هذا شيء طبيعي قلنا في جوابه :
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
