الحاكم على كل حال سواء اقتنع به المحكوم عليه أم لم يقتنع ، وبين حكم الله في الآخرة فإنه تعالى لا ينفذه حتى يقنع المحكوم عليه بأنه يستحق العقاب .. ومن أجل هذا تتراكم الشهود على المجرم ، فحملة الدين يشهدون عليه بأنهم قد بلغوه حلال الله وحرامه ، والملائكة يشهدون بأنه عصى وتمرد ، وصحيفة أعماله تسجل عليه كل قول وفعل ، فإذا أظهر المجرم عدم الاقتناع بكلّ هذه الشواهد أقام الله عليه شاهدا من نفسه ، فيشهد عليه جلده بأنه لامس الحرام كالزنا ومقدماته ، ويشهد عليه سمعه بأنه سمع الحق فأعرض عنه ، ويشهد بصره بأنه رأى دلائل الوحدانية فجحدها ، وما الى ذلك من الرذائل والموبقات.
وتومئ الآية الى معنى دقيق ، وهو ان الشرط في الشاهد أن لا يتحيز ، وربما توهم المجرم ان المبلغين والملائكة قد مالوا بشهادتهم إلى الله لأنهم لا يعصونه وبأمره يعملون ، فأقام سبحانه شهودا على نفس المجرم من نفسه دفعا لهذا التوهم وان كان باطلا. وفي بعض الروايات ان العبد غدا يخاطب ربه ويقول : ألم تجرني من الظلم؟ فيأتيه الجواب بلى. فيقول العبد : انّي لا أجيز على نفسي إلا شاهدا من نفسي ، وعندئذ يأمر تعالى أعضاءه أن تشهد عليه. فيقول العبد المذنب لأعضائه : بعدا لكنّ وسحقا ، فكم ناضلت عنكنّ.
(وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا)؟ وفي قولهم هذا اشعار بأن بعض المجرمين لم يقبلوا شهادة المبلغين والملائكة ، وانهم توهموا ان هذا الرفض يجديهم نفعا لولا ان يقيم الله عليهم شهودا من أنفسهم (قالوا ـ أي الجلود ـ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة واليه ترجعون). أعضاؤهم تنطق في الدنيا بلسان الحال ، ويشهد ما فيها من حكمة وإتقان بأن الله هو المبدئ والمعيد ، وتنطق بذلك صراحة في الآخرة أيضا. واختلف المفسرون في كيفية شهادة الأعضاء على أصحابها غدا ، فمن قائل : ان الله يظهر عليها علامات تشير الى الجرائم التي ارتكبوها. وقائل : ان الله ينطقها حقيقة. وهذا هو الصحيح لأن ظاهر الآية يدل عليه ، والعقل لا يأباه.
(وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً ـ أي ما تخفون ـ مِمَّا تَعْمَلُونَ). ظننتم أي اعتقدتم ،
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
