بطون أمهاتهم ، والثانية الموت المعهود ، أما حياتهم الأولى فهي حياتهم في الدنيا ، والثانية البعث بعد الموت ، والمعنى ان أهل جهنم يتضرعون الى الله ، وهم في قعرها معذبون ، يتضرعون إليه تعالى ويقولون : إلهنا أنت القادر على كل شيء. أوجدتنا في الدنيا ، ثم أخرجتنا منها بالموت ، ثم بعثتنا بعده ، ونحن الآن بين يديك نادمين معترفين بالخطايا والذنوب ، فهل من سبيل إلى منك وكرمك بالخروج من النار ، ولك عهد الطاعة والامتثال؟
(ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا) هذا جواب الله سبحانه على قولهم : (فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) ويتلخص الجواب بأن داعي الله دعاكم الى الحق ، وأنتم في الحياة الدنيا ، فكذبتموه ، ودعاكم داعي الشيطان الى الباطل فأجبتموه .. والآن تدعون فلا تجابون ، واحدة بواحدة ، وقوله تعالى : (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) يومئ الى أنه لا حكم غدا إلا لله وحده فلا عالي ولا كبير إلا هو : (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) ـ ١١١ طه.
(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ). أرانا سبحانه الكثير من الشواهد على وجوده وعظمته ، والدلائل على تدبيره وحكمته. في السماء والأرض ، وفي الإنسان والحيوان ، وفي المطر والزرع .. الى ما لا نهاية ، وبديهة ان هذه الدلائل والشواهد ـ على الرغم من كثرتها ـ لا تظهر إلا لمن أبصر وتدبر ، أما تائه القلب فإنه في عمى عنها ، قال طاغور :
ان الله أبرز وجوده في قالب حي من صور الخليقة ، أبرزه في هذا التنسيق والانسجام بين قوى الطبيعة المتصارعة في وحدة شاملة تخضع جميعها لقانون رتيب لا تحيد عنه ، وفي الوقت نفسه تهدف الى تحقيق غاية بعينها .. ان كل شيء في الطبيعة له وظيفة خاصة ، وعمل معين ، وهدف محدد يسعى اليه ، فما الحبة إلا عامل يكد ليبرز الشجرة الكامنة في أعماقها ، والشجرة بدورها تكد لتصل الى الزهرة ، والزهرة تجاهد في سبيل الثمرة ، ولا يدرك هذا إلا صاحب القلب السليم». والمراد بصاحب القلب السليم هو المراد بالذات من قوله تعالى : (وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
