(فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ). لما مدّ إسماعيل عنقه للذبح وهوى عليه ابراهيم بسكينة مفوضا كل منهما أمره لمن له الأمر ـ جاء النداء من الآمر الأعلى : هذا تأويل رؤياك .. انه العزم والاقدام منك على الذبح إخلاصا لله ، والانقياد من إسماعيل لأمر الله طيب النفس ، أما الذبح بالذات فما هو بمقصود.
وتسأل : إذا كان الذبح غير مقصود فما هو الغرض من الأمر به؟
الجواب : يرى البعض ان الغرض من ذلك ان يظهر الله سبحانه للملإ والأجيال عظمة كل من ابراهيم وإسماعيل في تضحيته وإخلاصه لله ، فيكون موضع التقديس والتقدير الى يوم يبعثون. وقال آخر : الغرض ان تبدل سارة غيرتها من هاجر ام إسماعيل ، وتكف قسوتها عن ابراهيم .. ونضيف نحن الى هذين القولين ان الله سبحانه أراد أيضا أن يضرب ذلك مثلا للمؤمن الحق وانه الذي يطيع الله في كل شيء حتى في ذبح ولده وفلذة كبده ، ويومئ الى هذا قوله تعالى : (إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ) أي ان هذا العزم على التضحية بالنفس والأهل امتثالا لأمر الله هو وحده المحكّ للمؤمن حقا وواقعا ، والحد الفاصل بينه وبين من يخيل اليه انه من المؤمنين وما هو من الايمان في شيء.
(وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ). المراد بالذبح المذبوح. وقيل كان كبشا ، وقال آخر : بل كان وعلا .. وأيا كان الفداء فنحن غير مسؤولين عن معرفة نوعه ، ولا تتصل هذه المعرفة بحياتنا من قريب أو بعيد. وطريف قول من قال انه كان كبشا أملح ، ورعى في الجنة أربعين عاما ، وان ابراهيم (ع) أعطى طحاله وأنثييه لإبليس .. وإذا رعى في الجنة أربعين عاما فكم يكون وزنه يا ترى؟
(وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ). تقدم هذا النص في الآية ٧٨ وما بعدها من هذه السورة نفسها.
(وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ). هذه البشارة من الله لإبراهيم بولد ثان انما هي جزاء على صبره وإقدامه على ذبح ولده طاعة لله. وفي قاموس الكتاب المقدس : ان سارة ولدت إسحاق ولها من العمر ٩٠ سنة ، ولإبراهيم مائة سنة ، وان معنى إسحاق في العبرية يضحك. أما هاجر فقد ولدت
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
