(إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) يومئ الى ان المراد من «يتلون» ما قلناه ، وفي نهج البلاغة : ليس في ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ، ولا أنفق منه ـ أي اروج ـ إذا حرف عن مواضعه .. فقد دل السياق على ان المراد بحق التلاوة العمل. ومعنى الآية ان الذين يتدبرون القرآن ويعملون بأحكامه قاصدين وجه الله فقد ربحت تجارتهم ، وكانوا هم الفائزين. وفي نهج البلاغة : باع المؤمنون قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ). آمنوا وعملوا وأخلصوا طلبا لمرضاة الله ومثوبته ، وعفوه ورحمته فنالوا ما يبتغون. وتقدم مثله في الآية ٢٧٤ من سورة البقرة ج ١ ص ٤٢٨ والآية ٢٢ من سورة الرعد ج ٤ ص ٣٩٨.
(وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُ). المراد بالكتاب القرآن ، وهو يحمل معه الأدلة والبراهين على صدقه وحقيقته ، وهي أحكامه وتعاليمه التي تعطي الأولية للايمان بعدل الله ووحدانيته ، وبكرامة الإنسان وحريته (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) من الكتب والشرائع التي تقوم على هذا الأساس ، أساس الايمان بالله وبالإنسان (إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) بما يصلحهم وما يفسدهم ، فينهاهم عن هذا ، ويأمرهم بذاك. ولكن المسلمين تركوا ما امر به القرآن ، وفعلوا ما نهى عنه ، وصدق عليهم قول الرسول الأعظم : يأتي على أمتي زمان ينهون فيه عن المعروف ، ويأمرون بالمنكر .. فلا بدع إذا تسلط عليهم شرار خلق الله.
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا). المراد بالكتاب القرآن ، ما في ذلك ريب ، واختلف المفسرون في المراد بالمصطفين ، فذهب أكثرهم أو الكثير منهم الى انهم أمة محمد (ص). والذي نراه نحن انهم محمد (ص) وأهل بيته وصحابته وعلماء أمته الذين ساروا بسيرته ، وعملوا بسنته لأن كلمة اصطفينا معناها اخترنا ، والله سبحانه لا يختار إلا المتقين الأبرار ، وقد استعمل القرآن الكريم كلمة الاصطفاء بهذا المعنى في العديد من الآيات ، منها : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ) ـ ٣٣ آل عمران. ومنها : (وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) ـ ١٣٠ البقرة. أما ضمير «منهم» في قوله تعالى : (فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ) أما هذا الضمير فإنه يعود الى «عبادنا» لأنهم أقرب من «الذين اصطفينا».
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
