وتولى فقد اختار لها شر العواقب كمن سافر إلى بلد بعيد وغريب على غير زاد ، وشيء من الاستعداد (١).
والآن نذكر طرفا من الآيات التي دلت على ان الغاية من خلق الإنسان هي الحياة الثانية ، وهذه الآيات على أنواع :
«منها» ما تصف الدنيا باللهو واللعب ومتاع الغرور ، وبالزوال والفناء ، وبالهشيم والتفاخر والتكاثر ، وتصف الآخرة بدار الله والخير والحيوان والرضوان ، فكيف يخلق سبحانه الإنسان ، ويودع فيه من الأسرار والطاقات ما يخلق الحضارات ، ويغير تاريخ الإنسان والأرض والسماء ، كيف يخلق هذا الكائن العجيب للهو ومتاع الغرور ولحياة أشبه بالأحلام ، وهو القائل : (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ) ـ ٧٠ الإسراء. ولا شيء يناسب الكرامة الانسانية ، والحكمة الإلهية إلا الحياة الباقية ببقاء خالقها.
و «منها» الآيات الدالة على ان الله سبحانه يبتلي الإنسان ويمتحنه ـ وهو أعلم به ـ ليكشف الستار عن دخيلته وحقيقته ، وتظهر أفعاله التي يستحق بها الثواب والعقاب في الآخرة ، ومن هذه الآيات قوله تعالى : (وَما كانَ لَهُ ـ أي لإبليس ـ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍ) ـ ٢١ سبأ وقوله : (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) ـ ٧ الكهف. وليس القصد مجرد الإعلان والاظهار .. كلا ، بل (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) ـ ٣١ النجم. وبما ان هذا الجزاء لم يتحقق في الدنيا فتعين أن يكون في اليوم الآخر ، وإلا كان وعد الله تهويلا .. تعالى الله عما يقول الجاهلون.
و «منها» الآيات الدالة على خلود من آمن وأحسن في الجنة ، وخلود من كفر وأساء في النار.
وتسأل : وما ذا تصنع بقوله تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ـ ٥٦ الذاريات حيث دل بصراحة على ان الغاية من خلق الإنسان ان يعبد الله
__________________
(١). انظر تفسير الآية ٧٧ من سورة القصص : (وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا).
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
