«لو خير العاقل بين ان يصدق ويعطى دينارا ، وبين ان يكذب ويعطى دينارا لتخير الصدق على الكذب» وهذه الغريزة التي تختار الصدق على الكذب هي التي خاطبها الله أو خاطب أربابها بقوله : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) ـ ١٧٢ الأعراف» وعناها الحديث المشهور عن الرسول الأعظم (ص) : كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصّرانه. أما كلمة حنيف هنا فإنها تعني من استقام على فطرة الله التي فطر الناس عليها مبتعدا عما يدنسها من الأهواء والأغراض. والمراد بقوله تعالى : لا تبديل لخلق الله ، ان الدين عند الله قائم وثابت على أساس هذه الفطرة لا يحول عنها ولا يزول. وذلك اشارة الى ما أوجب الله على العباد أن يلتزموه قولا وعملا لأنه هو الدين المستقيم الذي لا ترى فيه عوجا ولا أمتا.
أما الآية بمجموعها فإنها تدل على ان الدين يرتبط بالفطرة ، ولكن ليس معنى هذا ان الفطرة هي المشرع والآمر الناهي ، وان وظيفة الدين هي الكشف والتعبير عن أحكامها .. كلا ، فان الله الذي خلق الدين والفطرة هو المشرع الأول ، وله وحده الأمر والنهي ، وانما القصد من الآية هو تحديد المقياس الذي نقيس به دين الله ، وانه بما فيه من عقيدة وشريعة وأخلاق ينسجم مع فطرة الناس ومصالحهم ، وانه سبحانه لم يشرع حكما لعباده منافيا لمصلحة الفرد أو الجماعة .. هذا هو الضابط والفاصل بين أحكام الله وأحكام غيره ، بين شريعة الحق وشريعة الباطل ، أما أقوال العلماء من الفقهاء والمفسرين والفلاسفة فما هي بأصل من أصول الإسلام ، ولا يصح الاعتماد عليها كدليل شرعي (١) لأنها تعكس اجتهادهم وفهمهم لدين الله وأحكامه ، ولا تعكس الدين كما هو في حقيقته وواقعه.
ونخلص من هذا إلى ان الإسلام لا يرفض بقية الأديان والمذاهب بكل ما فيها ، بل ينظر اليها نظرة المدقق المنصف ، فيقر منها ما يتفق مع فطرة الله ، ويرفض ما عدا ذلك.
(مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ) ارجعوا إلى هذا الدين ، وأطيعوا جميع أحكامه (وَأَقِيمُوا
__________________
(١). لا يعتمد على الإجماع في العقائد ، ولا في المسائل الفقهية مع الاحتمال أنه لم يكشف عن رأي المعصوم.
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
