«ان الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه ، وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم ، فذروا ما قلّ لما كثر ، وما ضاق لما اتسع ـ وقال ـ ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله ، وانهما لا يقربان من أجل ، ولا ينقصان من رزق».
وأوضحنا فيما تقدم الفرق بين الايمان الحق والايمان الموهوم ، وان الايمان الصادق هو الذي يثبت في القلب ، ويتمثل في الخوف من الله والاهتمام بطاعته ومرضاته قولا وعملا ، أما الايمان الموهوم فلا قرار له في القلب ، وانما هو لعق على اللسان ، ويعرض على الوهم والخيال تماما كما تعرض الأطياف والأحلام ، وأصدق شاهد على هذا الايمان المزيف ان يؤمن صاحبه بالله ـ قولا ـ وهو يرجو المخلوق ويخافه ـ عملا ـ من دون الخالق.
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ). ضمير سألتهم يعود إلى المترفين العتاة الذين عاندوا رسالة محمد (ص). وتسأل : إذا اعترفوا صراحة بأن الله هو خالق الكون فأين سبب الخلاف والتضاد بينهم وبين الأنبياء؟
الجواب : انهم يعترفون بالله على أساس انه تعالى قد خصهم بالمال والسلطان ، وانه اختار لغيرهم الفقر والعبودية ، وان من أنكر هذا فهو في ضلال مبين ، هذا هو اعترافهم بالله ، وليس من شك ان من كفر بالله وآمن بأن له ما للناس ، وعليه ما عليهم أفضل عند الله من هذا الظالم الآثم ، أما الدليل على انهم يعترفون بالله على هذا الأساس فقوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ـ ٤٧ يس. (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) تصرفون عن الحق بافترائكم ان الله خصكم بالمال والسلطان دون الناس أجمعين.
(اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). تقدم مثله في الآية ٢٦ من سورة الرعد ج ٤ ص ٤٠١ فقرة «الإنسان والرزق» (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ). إن سئلوا عن خالق الكون أجابوا معترفين بالله ، على شرطهم ، وإن سئلوا عن الذي نزل الماء وأحيا به الأرض ، وهو السبب المباشر لما في أيديهم من
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
