إذا تمهد هذا عرفنا ان الذين اتخذوا من دون الله أولياءهم عبدة الأوثان ، ومن أعرض عن الله مغترا بمال أو علم وفهم أو سلطان ، ومن بغى وسعى في الأرض فسادا .. وقد شبه سبحانه قوة هؤلاء ببيت العنكبوت الذي يبقى إذا سكنت الرياح ، ولم يعترضه أي عارض ، وإذا هبت الريح أو اعترضه أدنى شيء يصبح هباء لا عين له ولا أثر .. وبكلام آخر ان كل من أعرض عن الله سبحانه معتمدا على وثن أو علم أو مال أو سلطان فهو من الذين اتخذوا من دون الله أولياء ، ومن يتخذ من دون الله وليا فهو من الخاسرين.
وفي كتاب الحيوان للجاحظ «ان ولد العنكبوت يقوم على النسج ساعة يولد ، ومادة نسيجه من الخارج لا من جسده ، وانه لما عرف عجزه عما يقوى عليه الليث احتال بخيوطة على صيد الذباب من أجل قوته». وعلى كل عاقل أن يسأل نفسه وعقله : من الذي ألهم العنكبوت فن النسج ودله ساعة يولد على المادة التي تصلح لنسجه؟ وأي مهندس وضع له تصميم هذا البيت على شكل مصيدة للذباب؟ وهل جاء هذا بالصدفة؟ وإذا تكررت الصدفة مرتين أو ثلاثا فهل تتكرر في كل عنكبوت ولد ويولد إلى ما لا يبلغه عد ، ولا حصر؟ تعالى الله عما يقول المفترون .. كلا ، انه خلق فسوّى ، وقدّر فهدى.
(إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) أي من الأوثان وغيرها مما يعتمدون عليه من دون الله كالمال والسلطان ، والمعنى انه تعالى يعلم حقيقة هذه الأشياء التي يعتزون بها وانها لا تغني عن الله شيئا (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). عزيز بقدرته ، حكيم بتدبيره.
(وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ). تلك إشارة الى مثل العنكبوت ونظائره ، وأنه تعالى ينبه الناس بها الى وحدانيته وعظمته ، ولكن لا يفهم هذه الأمثال وغيرها من آيات الله إلا أهل العقول والبصائر.
(خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ) أي على وجه الحكمة والمصلحة ، ولم يخلقها عبثا ولهوا ، والحكمة من خلقها أن تسكنها الخلائق ، وينتفعوا بها ، ويستدلوا بصنعها وعجائبها على وحدانية الله وعظمته (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ).
ذلك إشارة الى الإتقان والنظام في خلق السموات والأرض .. وهذا الإتقان دليل قاطع على وحدانية الله وعظمته عند المنصفين الذين يبتغون الحق ، ويؤمنون به لوجه الحق.
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
