وبعد أن حذرهم المؤمن عذاب الدنيا حذرهم عذاب الآخرة بقوله : (وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ) أي عذاب يوم القيامة حيث تسمعون الصيحة بالحق ، فتخرجون من القبور الى الحساب والجزاء (يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ) تحاولون الهرب من عذاب الحريق ، ولكن هيهات (ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ) كيف وهو الغالب على أمره لا يرده شيء ، ولا ينازعه شيء (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) أي من يسلك طريق الضلال فإن الله يضله ، ولا يجد من يهديه تماما كمن يشرب السم فإن الله يميته ولا يجد من يحييه أو يشفيه.
(وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ). هذا على حذف مضاف أي جاء آباءكم أيها المصريون ، فشكوا في نبوة يوسف ، فكذلك أنتم شككتم في نبوة موسى. وفي قاموس الكتاب المقدس ان يوسف معناه في العبرية يزيد ، وان امه أسمته بهذا الاسم ليزيدها ابنا آخر ، وانه مات وهو ابن ١١٠ سنين (حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً). ويومئ هذا الى انهم فرحوا بموت يوسف لأنهم تحرروا من التكاليف الإلهية ، وقالوا من غير علم بل بدافع من الشهوات والأهواء : ان الله لن يرسل رسولا بعد يوسف الى يوم يبعثون.
(كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ) في الله والحق .. وأضل الله المسرف المرتاب لأنه خرج من الهدى وارتكس بسوء اختياره في الضلالة والعمى (الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ). المراد بالذين يجادلون الخ المسرفون المرتابون ، وآيات الله دلائله على وحدانيته ونبوة أنبيائه ، والسلطان الحجة ، والمعنى ان المجرمين يردون حجج الله القاطعة بالرغبات والأهواء وتقليد الآباء.
(كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا) أن يجادل المجرمون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ). كل من التكبر والتجبر هو بالذات سبب من أسباب الختم على القلب ، وانما أسند ذلك اليه تعالى لأنه هو الذي جعل التكبر سببا لعمى القلب تماما كما جعل الجهل سببا للحيرة والبعد عن الحق ، وجعل الدرس والبحث سببا للعلم والوعي.
![التّفسير الكاشف [ ج ٦ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2770_altafsir-alkashif-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
