ألذّ منه ولا أطيب ريحاً ، فشبعتُ وروّيت ، وأقمت أيّاماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً ، ثمّ لم أره حتّى دخلنا مكّة ، فرأيته ليلةً في المسجد في نصف الليل يُصلّي بخشوع وأنين وبكاء ، فلم يزل كذلك حتّى طلع الفجر فصلّى الغداة ، ثمّ طاف بالبيت أُسبوعاً وخرج ، فاتبعته فإذا له غلمان وغاشية(١) واُمور على خلاف ما كان عليه في الطريق ، ودار به الناس من حوله يسلّمون عليه ، فقلت لبعض من يقرب منه : من هذا الفتى ؟ فقال : هذا موسى بن جعفر ، فقلت : قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلاّ لمثل هذا السيّد(٢) .
وروى بعض أصحابنا ، عن أبي عيسى قال : دخلت على الصادق عليهالسلام اُريد أن أسأله عن أبي الخطّاب ، فقال مبتدئاً : «ما يمنعك أن تلقى ابني موسى فتسأله عن جميع ما تريد ؟» قال : فذهبت إليه وهو قاعد في الكُتّاب وعلى شفتيه أثر المداد ، فقال لي مبتدئاً : «يا أبا عيسى ، إنّ اللّه تبارك وتعالى أخذ ميثاق النبيّين على النبوّة ، فلن يتحوّلوا عنها إلى غيرها أبداً ، وأخذ ميثاق الوصيّين على الوصيّة فلن يتحوّلوا عنها إلى غيرها أبداً ، وأعار قوماً الإيمان زماناً ثمّ سلبهم إيّاه ، وإنّ أبا الخطّاب ممّن أُعير الإيمان ، ثمّ سلبه اللّه إيّاه» قال أبو عيسى : فضممته إلى صدري وقبّلتُ ما بين عينيه ، وقلت : بأبي أنت وأُمّي ، ذرّيّة بعضها من بعضٍ ، ثمّ رجعتُ إلى أبيه فقلت له : أتيته فأخبرني مبتدئاً من غير أن أسأله عن شيء بجميع ما أردتُ ، فقال : «يا أبا عيسى ، إنّ ابني الذي رأيته لو سألته عمّا في دفّتي المصحف
____________________
(١) في «ل» نسخة بدل : «حاشية» .
(٢) الصواعق المحرقة : ٣٠٧ ـ ٣٠٨ ، المناقب للشرواني : ٢٧٥ ـ ٢٧٦ ، نقلاً عن روض الرياحين ، كشف الغمّة ٢ : ٢١٣ ـ ٢١٤ ، الفصول المهمّة : ٢٣٣ ـ ٢٣٤ عن الرامهرمزي ، الدرّ النظيم : ٦٦٣ عن أبي الفضل الشيباني ، تذكرة الخواصّ : ٣١٢ .
![ضياء العالمين [ ج ٥ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4606_zia-al-alamain-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
