الحبشة ، فأقاموا عنده في كرامة وحسن جوار ، فعرفت ذلك قريش فأرسلوا عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ إلى النجاشي ، فلمّا قدما مع رهطهما على النجاشيّ تقدّم عمرو ، فقال : أيّها الملك ، إنّ هؤلاء قوم من سفهائنا قد سحرهم محمّد [ صلىاللهعليهوآله ] فادفعهم عنك ، فإنّ صاحبهم يزعم أنّه نبيّ قد جاء بنسخ دينك ومحو ما أنت عليه ، فلم يلتف النجاشي إلى قوله ، ولم يحفل بما أرسلت به قريش ، وجرى على إكرام جعفر وأصحابه وزاد في الإحسان إليهم ، لأنّه لمّا جمعهم وسأل جعفراً عن طريقة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وكتابه ، قرأ جعفر عليه سورة مريم من القرآن فأعجبه ذلك ، فقال : هذا هو الناموس الأعظم وبلّغ جعفر ما كان من دين النبيّ صلىاللهعليهوآله وبراهين حقّيّته ، بحيث أفحم عمراً وأصحابه ، فاستحسنه النجاشي وزاد في الإكرام له ولأصحابه ، وطرد القوم عنهم بل أسلم سرّاً ، بل فيه نزل قوله تعالى : (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُوِلِ) إلى قوله : (جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ)(١) ، فاستحسنه النجاشي ، وقد كان هذا من جعفر إعانةً كاملةً في ترويج الدين ، ونيابةً عن النبيّ صلىاللهعليهوآله في التبليغ ، وبلغ ذلك أبا طالب رضىاللهعنه فقال يمدح النجاشي :
|
ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر |
|
وعمرو وأعداء النبيّ الأقارب |
|
فهل نال إحسان النجاشيّ جعفراً |
|
وأصحابه أم عاق ذلك شاغب |
|
تعلّم خيار الناس إنّك ماجد |
|
كريم فلا يشقى لديك المجانب |
|
وتعلّم بأنّ اللّه زادك بسطةً |
|
وأسباب خيرٍ كلّها لك لازب(٢) |
____________________
(١) سورة المائدة ٥ : ٨٣ و٨٥ .
(٢) شعر أبي طالب وأخباره : ٧٢ وفيه : (في النأي) بدل (في الناس) ، (أفعال) بدل
![ضياء العالمين [ ج ٥ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4606_zia-al-alamain-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
