نزل قوله تعالى : (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ)(١) صدع النبيّ صلىاللهعليهوآله ونادى قومه بالإسلام ، فلمّا نزل : (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)(٢) أجمعوا على خلافه ، فقام عتبة والوليد وأبو جهل والعاص إلى أبي طالب فقالوا : إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا ، وسفّه أحلامنا ، وضلّل آباءنا ، فإمّا أن تكفّه عنّا ، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه ، فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً وردّهم ردّاً جميلاً ، فمضى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله على ما هو عليه يُظهر دين اللّه ، ويدعو إليه ، وأسلم بعض الناس ، فانهمشوا إلى أبي طالب مرّةً أُخرى فقالوا : إنّ لك سنّاً وشرفاً ومنزلةً ، وإنّا قد نبّهناك أن تنهى ابن أخيك فلم ينته ، وإنّا واللّه لا نصبر على هذا من شتم آباءنا ، وعيّب آلهتنا حتّى تكفّه عنّا أو ننازله في ذلك حتّى يهلك أحد الفريقين ، فقال أبو طالب للنبيّ صلىاللهعليهوآله : ما بال أقوامك يشكونك؟)(٣) فقال [ صلىاللهعليهوآله ] : «إنّي أُريدهم على كلمة واحدة يقولونها ، تدين لهم بها العرب ، وتؤدّي إليهم بها العجم الجزية» ، فقالوا : كلمة واحدة نعم وأبيك عشراً ، قال أبو طالب : وأيّ كلمة هي يابن أخي؟ قال : «لا إله إلاّ اللّه» ، فقاموا ينفضون ثيابهم ويقولون : (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)(٤) .
فقال له أبو طالب سرّاً : لا تحملني من الأمر ما لا أُطيق ، فظنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه ضعف عن نصرته وبدا له ، فقال : «يا عمّاه ، إنّ اللّه أمرني أن أدعو إلى دينه الحنيفية ملّة إبراهيم ، ولو وُضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا القول حتّى أنفذه أو أُقتل دونه» ، ثمّ بكى وقام
____________________
(١) سورة الحجر ١٥ : ٩٤ .
(٢) سورة الأنبياء ٢١ : ٩٨ .
(٣) إلى هنا لم يرد في «س» ، انظر ص ٤١٩ هامش (٥) .
(٤) سورة ص ٣٨ : ٥ .
![ضياء العالمين [ ج ٥ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4606_zia-al-alamain-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
