هذا ، مع أنّ سليمان أُوتي حكماً وعلماً في حياة أبيه ، فلا مدخل للإرث فيه .
قال عليٌّ عليهالسلام : «إنّ اللّه تعالى قال في يحيى : (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي)(١)» وهم الذين يرثون المال بالضرورة ولا يرثون النبوّة بالإجماع ، ولأنّ الموالي الذين كان يخاف منهم ما كانوا صالحين للنبوّة ؛ لأنّهم كانوا أشراراً فلم يجعلهم اللّه أنبياء ، لأنّهم لو كانوا قابلين لها لما كان معنى للخشية منهم وطلب غيرهم ، لأنّ نبيّ اللّه عالم بأنّ اللّه تعالى لم يعط النبوّة إلاّ لمن يكون أهلاً لها ، ولأنّه لو أراد وراثة العلم والنبوّة لكان قوله : (وَاْجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً)(٢) ممّا لم يحتج إلى سؤاله ؛ إذ لا يقال : اللّهمّ ابعث لنا نبيّاً واجعله عاملاً مرضيّاً في أخلاقه ؛ لأنّه إذا كان نبيّاً فقد دخل الرضا وما هو أعظم منه في النبوّة ، ولا يمكن أن يقال : إنّ ذلك من قبيل الدعاء بالواقع ، مثل : ربّ احكم بالحقّ واجعلنا مسلمين ؛ لأنّ ذلك إنّما يكون تعبّداً وانقطاعاً إليه تعالى فيما يعود إلى الداعي ، وما نحن فيه ليس كذلك كما ظهر ؛ ولهذا لا يحسن أيضاً أن يقال : ربّ ابعث نبيّاً واجعله عاقلاً .
قال : ويقوّي ما قلناه أنّ زكريّا عليهالسلام صرّح بأنّه يخاف من بني عمّه بعده وإنّه إنّما يطلب وارثاً من جهة خوفه ، ومن البيّن أنّه لا يليق خوفه منهم إلاّ على المال دون النبوّة والعلم ؛ لما مرّ من أنّه عليهالسلام كان أعلم باللّه تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيّاً ليس بأهلٍ للنبوّة ، وأن يورث علمه وحكمته من ليس لهما بأهلٍ .
قال : هذا إذا اُريد بالعلوم الأسرار الإلهيّة التي لا يجوز إظهارها لغير
____________________
(١) سورة مريم ١٩ : ٥ .
(٢) سورة مريم ١٩ : ٦ .
![ضياء العالمين [ ج ٥ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4606_zia-al-alamain-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
