هذا كلّه ، مع أنّ أصل حرمان الورثة من الميراث ممّا ورد فيه ذموم عظيمة ، بحيث إنّه إن لم يكن حراماً فلا أقلّ من غاية شدّة الكراهة ، وكفى في هذا عدم صحّة الوصيّة بأزيد من الثلث ، حتّى أنّ المخالف والمؤالف نقلوا عن النبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه قال ـ في رجل سمع بعد دفنه أنّه موصٍ أن يتصدّق بجميع ماله ـ ما مضمونه : «إنّي لو علمت بما أوصى لما تركته يُدفن في مقبرة المسلمين ، حيث ترك أولاده يتكفّفون الناس»(١) .
وإذا كان الحال كذلك كيف يجوز مثله للأنبياء الذين هم القدوة في الأُمور ، وواجب على الناس التأسّي بهم؟ وكيف يرضى بتكفّف أولاده وأهل بيته من لا يرضى مثل ذلك لغيره ، مع أنّ ذرّيّة الأنبياء كلّهم ليسوا كآبائهم في الاتّصاف بالنبوّة الملازمة لكمال التوكّل وتمام التفويض ، كما هو ظاهر ، على أنّ تصحيح هذا الخبر يوجب ارتكاب تخصيصٍ في آيات الميراث ، وتأويل آيات توريث الأنبياء ، كما حملها بعضهم على وراثة العلم والنبوّة(٢) ، وهو هاهنا عين الاعتساف .
أمّا أوّلاً : فلما أشرنا إليه آنفاً من كونه مستلزماً لتخصيص القرآن بمثل هذا الخبر الضعيف ، بل الظاهر الكذب .
وأمّا ثانياً : فلما ذكر بعض الأفاضل حيث قال : حمل الآيات على وراثة العلم والنبوّة باطل ؛ لأنّه حقيقة في إرث المال لغةً وشرعاً ، فإطلاقه على غيره يكون مجازاً لا يصار إليه إلاّ بالقرينة ، وليس فليس .
____________________
(١) انظر : قرب الإسناد : ٦٣ / ٢٠٠ ، وعلل الشرائع : ٥٦٦ / ٢ باب ٣٦٩ ، ومن لا يحضره الفقيه ٤ : ١٨٦ / ٥٤٢٧ ، ولم نعثر عليه من العامّة .
(٢) انظر : التفسير الكبير للرازي ٢٤ : ١٨٦ ، تفسير القرطبي ١١ : ٧٨ ، الدرّ المنثور ٦ : ٣٤٤ .
![ضياء العالمين [ ج ٥ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4606_zia-al-alamain-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
