وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)(١) ، وكذا في حكاية إبراهيم عليهالسلام وأبيه ، ونوح عليهالسلام وابنه دلالة على هذا ، وحينئذٍ لابدّ أن يكون معنى الآية والمراد بها : إنّك لا تحسب أنّ هداية من اهتدى بك ممّن أحببته وبذلت جهدك في هدايته كأبي طالب مثلاً ، إنّها منك ، بل من اللّه تعالى ، نظير قوله تعالى : (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)(٢) ، بل أمثالها كثيرة ، حتّى في خصوص الهداية والضلالة .
فإن قيل : إنّ أبا طالب لم يكن ممّن حادّ اللّه ورسوله ، ولا من أعدائهما وإن مات على الكفر ، حيث ثبت أنّه أعان رسول اللّه صلىاللهعليهوآله على أمره وأظهر مراراً صدقه في ذلك .
قلنا : إنّ كلامكم هذا عين الاعتراف منكم بأنّه كان يعلم صدق النبيّ صلىاللهعليهوآله وحقّيّته في دعواه ، وأنّه ليس بكاذب فيما يقول ، ومع هذا لم يُظهر متابعته ولا قال بقوله ، بل إنّما أصرّ على خلاف ما تبيّن له إلى أن مات ، فعلى هذا نقول :
إمّا إنّه فَعَل هذا لاقتضاء المصلحة المشروعة ، كتمشية الإعانة ونحوها ، فهذا هو عين ما نقول نحن(٣) من إيمانه واقعاً لا ظاهراً ، كمؤمن آل فرعون وأصحاب الكهف وأمثالهم .
وإمّا أنّه فَعَل هذا لغير ذلك ، كالحميّة الجاهليّة وأمثالها ، وحينئذٍ يلزمكم أن تقولوا بكونه جاحداً معانداً ؛ لإنكاره الحقّ مع علمه به ، إذ لا معنى للجاحد إلاّ مثل هذا ، وكفى شاهداً له قوله سبحانه : (وَجَحَدُوا بِهَا
____________________
(١) سورة المجادلة ٥٨ : ٢٢ .
(٢) سورة الأنفال ٨ : ١٧ .
(٣) كلمة «نحن» لم ترد في «ن» .
![ضياء العالمين [ ج ٥ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4606_zia-al-alamain-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
