فأما الأولى فقيل إنها مصدرية. وقال السهيليّ (١) : بل إنها وردت في معرض التوبيخ على امتناعه من السجود ، ولم يستحق هذا من حيث كان السجود لما يعقل ، ولكن لعلة أخرى ، وهي المعصية والتكبّر [على ما لم يخلقه] (٢) ؛ فكأنه يقول : لم عصيتني وتكبرت على ما خلقته وشرفته؟ فلو قال : ما منعك أن تسجد لمن؟ كان استفهاما مجردا من توبيخ ، ولتوهّم أنه وجب السجود له من حيث كان يعقل ، أو لعلة موجودة فيه أو لذاته ؛ وليس كذلك.
وأما آية السماء ؛ فلأنّ القسم تعظيم للمقسم به من حيث ما في خلقها من العظمة والآيات ، فثبت لهذا (٣) القسم بالتعظيم كائنا ما كان (٣). وفيه إيحاء إلى قدرته تعالى على إيجاد هذا الأمر العظيم ، بخلاف قوله : «من» لأنه كان يكون المعنى مقصورا على ذاته دون أفعاله. ومن هذا يظهر غلط من جعلها بتأويل المصدر.
وأما (ما أَعْبُدُ) فهي على بابا ؛ لأنها واقعة على معبوده عليهالسلام على الاطلاق ؛ لأن الكفار كانوا يظنون أنهم يعبدون الله وهم جاهلون به ، فكأنه قال : أنتم لا تعبدون معبودي.
ووجه آخر ، وهو أنهم كانوا يحسدونه ويقصدون مخالفته كائنا من كان معبوده ، فلا يصح في اللفظ إلا لفظة «ما» لإبهامها ومطابقتها لغرض أو لازدواج [الكلام] (٥) ؛ لأن معبودهم لا يعقل ، وكرر الفعل على بنية المستقبل حيث أخبر عن نفسه ، إيماء إلى عصمة الله [تعالى] له عن الزيغ والتبديل ، وكرره بلفظ حين أخبر عنهم بأنهم يعبدون أهواءهم ، ويتبعون شهواتهم ؛ بفرض أن يعبدوا اليوم ما لا يعبدونه غدا.
وهاهنا ضابط حسن للفرق بين الخبرية والاستفهامية ، وهو أن «ما» إذا جاءت قبل «ليس» أو «لم» أو «لا» ، أو بعد «إلا» ، فإنها تكون خبرية ، كقوله : (ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ) (المائدة : ١١٦) ، (ما لَمْ يَعْلَمْ) (العلق : ٥) ، (ما لا تَعْلَمُونَ) (البقرة : ١٦٩) ، (إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا) (البقرة : ٣٢) ، وشبهه.
__________________
(١) لفظ الجلالة زيادة من المخطوطة.
(٢) هو عبد الرحمن بن عبد الله تقدم التعريف به في ١ / ٢٤٢.
(٣) العبارة ساقطة من المطبوعة.
(٤) عبارة المخطوطة (القسم به التعظيم لآيته ما كان).
(٥) ساقطة من المخطوطة.
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
