فهو عالم بعاقبة أمره ، وما يؤول إليه ؛ لأنّه يعلم الشيء قبل أن يكون. وهذا أحسن من قول الفرّاء : إنها تعليلية ، أيّ [كي] (١) يتذكر ، لما فيه من إخراج اللفظ عن موضوعه : ومنه التعجب الواقع في كلام الله ، نحو : (فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) (البقرة : ١٧٥) ، أي هم أهل أن يتعجّب منهم ، ومن طول مكثهم (٢) في النار.
٤ ـ / ٥٨ ونحوه : (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) (عبس : ١٧) و (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) (٣) (الكهف : ٢٦).
ومنه قوله تعالى في نعيم أهل الجنة وشقاء [٢٥٩ / ب] أهل النار : (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) (هود : ١٠٧) ، مع أنهما لا يزولان ، لكن التقييد بالسماء والأرض ، جرت عادة العرب إذا قصدوا الدوام أن يعلّقوا بهما فجاء (٤) الخطاب على ذلك.
(تنبيه) يقرب من هذا التهكّم ، وهو إخراج الكلام على ضدّ مقتضى الحال ، كقوله تعالى : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (الدخان : ٤٩).
وجعل بعضهم منه قوله تعالى : (لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) (الرعد : ١١) ، مع العلم بأنه لا يحفظ من أمر (٥) الله شيء.
٤ ـ / ٥٩
التأدّب في الخطاب بإضافة الخير إلى الله (٦).
وإن [كان] (٧) الكلّ بيده ، كقوله تعالى : (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) (الفاتحة : ٧) ، ثم قال : (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) (الفاتحة : ٧) ، ولم يقل : غير الذين غضبت عليهم.
وقوله : (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) (آل عمران : ٢٦) ، ولم يقل : «و [بيدك] (٧) الشر» ،
__________________
(١) ليست في المطبوعة ، وانظر قول الفراء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١١ / ٢٠٠ عند تفسير الآية من سورة طه.
(٢) في المطبوعة (تمكنهم).
(٣) الآية في المخطوطة (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) (مريم : ٣٨).
(٤) في المخطوطة (في الخطاب).
(٥) وفي نسخة (من أمره).
(٦) في المخطوطة زيادة هي (ويجيء فاعلا لسوء وان كان الكل بيده).
(٧) ليست في المطبوعة.
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
