[كلام] (١) أحكم الحكماء ، فيجب أن يكون على مقتضى الحكمة ؛ فوجب اعتباره كذلك وهذان دليلان عامّان في مضمون هذه الفائدة وغيرها.
وأما قوله تعالى : (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) (الأنعام : ١٤٧) ، ولم يقل : «ذو عقوبة شديدة» ، لأنّه إنما [٢٦١ / أ] قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله في الاجتراء على معصيته ؛ وذلك أبلغ في التهديد ، معناه : لا تغترّوا بسعة رحمة الله ، فإنه مع ذلك لا يردّ عذابه.
ومثله قوله تعالى : (يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ) (مريم : ٤٥) وقد سبقت.
فائدة في الفرق بين الخطاب بالاسم والفعل
وأنّ الفعل يدلّ على التجدّد والحدوث ، والاسم على الاستقرار والثبوت ، ولا يحسن وضع أحدهما موضع الآخر.
٤ ـ / ٦٧ فمنه قوله تعالى : (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ) [بالوصيد] (٢) (الكهف : ١٨) ، فلو قيل «يبسط» لم يؤدّ الغرض ؛ لأنه لم يؤذن بمزاولة الكلب البسط ، وأنه يتجدّد له شيء بعد شيء ، ف «باسط» أشعر بثبوت الصفة.
وقوله : (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ) (فاطر : ٣) ، لو قيل «رازقكم» لفات ما أفاده الفعل من تجدّد الرزق شيئا بعد شيء ؛ ولهذا جاءت الحال في صورة المضارع ، مع أن العالم الذي يفيده ماض ، كقولك : جاء زيد يضرب ، وفي التنزيل : (وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ) (يوسف : ١٦) ، إذ المراد أن يريد صورة ما هم عليه وقت المجيء ، وأنّهم آخذون في البكاء يجددونه شيئا بعد شيء ، وهذا هو سرّ (٣) الإعراض عن اسم الفاعل والمفعول ، إلى صريح الفعل والمصدر.
ومن هذا يعرف لم قيل : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) (البقرة : ٢٧٤) ، ولم يقل «المنفقين» في غير موضع؟ وقيل كثيرا : «المؤمنون» و «المتقون» ؛ لأن حقيقة النفقة أمر فعليّ شأنه الانقطاع والتجدد ، بخلاف الإيمان فإن له حقيقة تقوم بالقلب يدوم مقتضاها ، وإن غفل عنها ، وكذلك التقوى والإسلام ، والصبر والشكر ، والهدى والضلال ، والعمى والبصر ، فمعناها ،
__________________
(١) ليست في المخطوطة.
(٢) ليست في المخطوطة.
(٣) في المخطوطة (من الاعراض).
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
