وكذا قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) (الأنعام : ١١١). وكذا قوله : (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا) (الأنفال : ٢٣) ، فإن التولّي عند عدم الإسماع أولى.
وأما [سياق الكلام وك] (١) قوله : «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» (٢) فنفي العصيان ثابت ، إذ لو انتفى نفي العصيان لزم وجوده ؛ وهو خلاف ما يقتضيه سياق الكلام في المدح.
ولما لم يطّرد لهم هذا التفسير مع اعتقادهم صحته ، اختلفوا في تخريجها على طرق :
[٣١١ / أ] الأول : دعوى أنها في مثل هذه المواضع ـ أعني الثابت فيها الثاني دائما ـ إنما جاءت لمجرد الدلالة على ارتباط الثاني بالأول ، لا للدلالة على الامتناع ، وضابطها : ما يقصد به الدلالة على مجرد الارتباط دون امتناع كل موضع قصد فيه ثبوت شيء على كل حال ، فيربط ذلك الشيء بوجود أحد النقيضين لوجوده دائما ، ثمّ لا يذكر إذ ذاك إلا النقيض الذي يلزم من وجود ذلك الشيء [على تقدير وجوده] (٣) ، على تقدير وجود النقيض الآخر ، فعدم النّفاد في الآية الكريمة واقع على تقدير كون ما في الأرض من شجرة أقلام ، وكون البحر مده من [بعده] (٣) سبعة أبحر ؛ فعدم النفاد على تقدير انتفاء كون هذين الأمرين أولى. وكذا عدم عصيان صهيب واقع على تقدير عدم خوفه (٤) ، [فعدم عصيانه] (٤) على تقدير وجود الخوف أولى. وعلى هذا يتقرر جميع ما يرد عليك من هذا الباب.
والتحقيق أنها تفيد امتناع الشرط كما سبق من الآيات الشريفة. وتحصّل أنها تدلّ على أمرين :
أحدهما : امتناع شرطها ، والآخر كونه مستلزما [لجوابها] (٥) ، ولا يدل على امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته ؛ فإذا قلت : لو قام زيد لقام عمرو ، فقيام زيد محكوم بانتفائه
__________________
(١) ليست في المطبوعة.
(٢) ذكره الفخر الرازي في «التفسير» ١٥ / ١٤٥ عند الآية (٢٣) من سورة الأنفال فقال : (وأما الخبر فقوله عليهالسلام «نعم الرجل صهيب ...) وذكره ابن منظور في «لسان العرب» ٩ / ١٠٠ مادة (خوف) فقال : (وفي حديث عمر رضياللهعنه : نعم العبد صهيب ...) ، وذكره العجلوني في «كشف الخفاء» ٢ / ٤٢٨ ونقل عن ابن حجر أنه ظفر به في «مشكل الحديث» لابن قتيبة من غير إسناد ، وانظر بقية كلامه عن الحديث.
(٣) ليست في المطبوعة.
(٤) في المخطوطة (عدم عصيانه).
(٥) ليست في المخطوطة.
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
