المودة ، فلهذا جيء بالباء.
وأما قوله : (كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (الإسراء : ١٤) ، فليست زائدة ، وإلاّ للحق الفعل قبلها علامة التأنيث ، لأنه للنفس ، وهو مما يغلب تأنيثه. وجوز في الفعل وجهان : (أحدهما) أن تكون «كان» مقدرة بعد «كفى» ، ويكون «بنفسك» صفة له قائمة مقامه. (والثاني) : أنه مضمر يفسره المنصوب بعده ، أعني «حسيبا» ، كقولك (١) : نعم رجلا (٢) زيد.
وتجيء للتعدية ، وهي القائمة مقام الهمزة في إيصال الفعل اللازم إلى المفعول به ، نحو : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ [وَأَبْصارِهِمْ]) (٣) (البقرة : ٢٠) ، أي أذهب. كما قال : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ [أَهْلَ الْبَيْتِ]) (٤) (الأحزاب : ٣٣).
ولهذا لا يجمع بينهما ، فهما متعاقبتان ؛ وأما قوله تعالى (أَسْرى بِعَبْدِهِ) (الإسراء : ١) ، فقيل : «أسرى» و «سرى» بمعنى ، كسقى وأسقى ، والهمزة ليست للتعدية ، وإنما المعدّى (٥) الباء في «بعبده».
وزعم ابن عطية (٦) أن مفعول «أسرى» محذوف ، وأن التعدية بالهمزة ، أي أسرى الليلة بعبده.
ومذهب الجمهور أنها بمعنى الهمزة ، لا تقتضي مشاركة الفاعل للمفعول.
وذهب المبرّد (٧) والسّهيلي (٨) أنها تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في الفعل بخلاف الهمزة.
ورد بقوله [تعالى] : (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) (البقرة : ١٧) ، (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) (البقرة : ٢٠) ، ألا ترى أن الله [تعالى] لا يذهب مع سمعهم ، فالمعنى : لأذهب سمعهم.
وقال الصّفّار (٩) : وهذا لا يلزم ، لأنه يحتمل أن يكون فاعل «ذهب» البرق ، ويحتمل أن
__________________
(١) في المخطوطة (كقوله).
(٢) في المخطوطة (رجل).
(٣) ليست في المطبوعة.
(٤) ليست في المخطوطة.
(٥) في المخطوطة (التعدي).
(٦) هو عبد الحق بن غالب الغرناطي تقدم التعريف به في ١ / ١٠١.
(٧) انظر قوله في «المقتضب» ٤ / ١٤٢ باب الإضافة ، وأما الباء ...
(٨) انظر قوله في «الروض الأنف» ٢ / ١٤٨ شرح ما في حديث الإسراء.
(٩) هو القاسم بن علي البطليوسي تقدم التعريف به في ٢ / ٤٥١.
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
