والجواب في ذلك كله ، أنّ طريق الحق واحد ، وأمّا الباطل فطرقه متشعّبة متعددة ، ولما كانت (١) الظّلم بمنزلة طريق الباطل ، والنور بمنزلة طريق الحق (٢) ، بل هما [هما] (٣) ، أفرد النور وجمع الظلمات ؛ ولهذا وحّد الوليّ (٤) ، فقال : (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) (البقرة : ٢٥٧) لأنّه الواحد الأحد ، وجمع أولياء الكفار لتعددهم ، وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغيّ لكثرتها واختلافها ، ووحّد النور وهو دين الحق.
ومن ذلك إفراد «اليمين والشمال» في قوله : (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ) (المعارج : ٣٧) وجمعها في قوله : (وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) (الأعراف : ١٧) ولا سؤال فيه ، إنما السؤال في جمع أحدهما وإفراد الآخر ، كقوله تعالى : ([يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ] (٥) عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ) (النحل : ٤٨) قال الفرّاء : «كأنّه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظّلمة ، وإذا جمع ذهب إلى كلّها» (٦) ، والحكمة في تخصيص اليمين بالإفراد ما سبق ؛ فإنّه لما كانت اليمين جهة الخير والصلاح ، وأهلها هم الناجون أفردت ، ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله : (عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ) (النحل : ٤٨) وفيه وجوه أخر :
(أحدها) : أن اليمين (٧) [مقصود به الجمع أيضا ، فإنّ الألف واللام فيه للجنس ، فقام العموم مقام الجمع. قاله ابن عطية.
(الثاني) : أن اليمين] (٧) «فعيل» وهو مخصوص بالمبالغة ، فسدّت مبالغته [مسدّ (٨)] جمعه ، كما سدّ مسدّ الشبه قوله : (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ) (ق : ١٧) قاله ابن بابشاذ (٩).
(الثالث) : أن الظلّ حين ينشأ أول النهار يكون في غاية الطّول ، ثم يبدو كذلك ظلاّ
__________________
(١) في المخطوطة (كان).
(٢) في المطبوعة (طريق الجنّة).
(٣) ليست في المخطوطة.
(٤) في المخطوطة (وحّد ولي المؤمنين).
(٥) ليست في المخطوطة.
(٦) انظر معاني القرآن ٢ / ١٠٣ عند تفسير الآية (٤٨) من سورة النحل.
(٧) ليست في المخطوطة.
(٨) ليست في المطبوعة.
(٩) هو أبو الحسن طاهر بن أحمد ، تقدم التعريف به في ٣ / ٢٨.
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
