وقال بعضهم : قاعدة العرب في الجعل أن يتعدى (١) لواحد ، وتارة يتعدى لاثنين ؛ فإن تعدى لواحد لم يكن إلا بمعنى الخلق ، وأما إذا تعدى لاثنين فيجيء بمعنى الخلق ، كقوله تعالى : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ) (الإسراء : ١٢) ، وبمعنى التسمية : (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) (الزخرف : ١٩) ، (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) (الحجر : ٩١).
ويجيء بمعنى التصيير ، كقوله تعالى : (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) (المؤمنون : ٥٠) ، أي صيرناهما.
إذا علمت هذا فإذا (٢) ثبت أن الجعل المتعدي لاثنين ليس نصّا في الخلق ، بل يحتمل الخلق وغيره لم (٣) يكن في الآية تعلّق للقدرية على خلق القرآن ، لأنّ الدليل لا بدّ أن يكون قطعيا لا احتمال فيه. ويجوز أن يكون بمعنى الخلق على معنى : جعلنا التلاوة عربية. (قلت) : وهذا يمنع إطلاقه ؛ وإن جوزنا حدوث الألفاظ ، لأنها لم تأت عن السلف ، بل نقول : القرآن غير مخلوق على الإطلاق.
ـ (الخامس) : بمعنى الاعتقاد ، كقوله تعالى : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ) (الأنعام : ١٠٠) ، (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ) (النحل : ٦٢). وكذلك قوله تعالى : (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) (الزخرف : ١٩) أي اعتقدوهم إناثا.
ويجوز أن يكون كما قبله (٤) ؛ ووجه النقل فيه هو أنّ الملائكة في نفس الأمر ليسوا (٥) إناثا ، فهؤلاء الكفار نقلوهم باعتقادهم ، فصيروهم في الوجود الذهنيّ إناثا. ومنهم من جعلها
__________________
(٦٦) ، باب من لم يتغن بالقرآن (١٩) ، الحديث (٥٠٢٣ و ٥٠٢٤) ، وأخرجه مسلم في الصحيح ١ / ٥٤٥ كتاب صلاة المسافرين (٦) ، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن (٣٤) ، الحديث (٢٣٢ / ٧٩٢).
(١) في المخطوطة (أنه تارة يتعدى).
(٢) في المطبوعة (فإذن).
(٣) في المطبوعة (ولم يكن).
(٤) أي : الرابع ، وهو بمعنى النقل من حال إلى حال والتصيير.
(٥) في المخطوطة (ليس هم إناثا).
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
