المعنى ، والفارسية تؤدي المعنى. وإذا عرف هذا ، فكأنه نقل المعنى من لفظ القرآن فصيره عربيا.
وأخطأ الزمخشري (١) حيث جعله بالخلق ؛ وهو مردود صناعة ومعنى. أمّا الصّناعة ، فلأنه يتعدّى لمفعولين ، ولو كان بمعنى الخلق لم يتعدّ إلا إلى واحد ، وتعديته لمفعولين ـ وإن احتمل هذا المعنى ـ لكن بجواز إرادة التسمية أو التصيير على ما سبق. وأمّا المعنى فلو كان بمعنى «خلقنا التلاوة العربية» فباطل ؛ لأنه ليس الخلاف في حدوث ما يقوم بألسنتنا ؛ وإنما الخلاف في أنّ كلام الله الذي هو أمره ونهيه وخبره ؛ فعندنا أنه صفة من صفات ذاته ، وهو قديم.
وقالت القدرية (٢) : إنه صفة فعل أوجده بعد عدمه ، وأحدثه لنفسه ، فصار عند حدوثه متكلّما بعد أن لم يكن ، فظهر أن الآية على تأويله ليس فيها تأويل (٣) لعقيدته الباطلة.
وقال الآمدي (٤) في «أبكار الأفكار» : الجعل فيه بمعنى التسوية ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) (الحجر : ٩١) ، أي يسمّونه كذبا.
قال : ويحتمل أن الجعل على بابه ، والمراد القرآن بمعنى القراءة دون مدلولها ، فإنّ القرآن قد يطلق بمعنى القراءة ، ومنه قوله صلىاللهعليهوسلم : «ما أذن الله [لشيء أذنه] (٥) لنبيّ يتغنّى في القرآن» (٦) أي بالقراءة.
__________________
(١) انظر «الكشاف» ٣ / ٤١١ عند تفسير الآية من سورة الزخرف.
(٢) قال الجرجاني في «التعريفات» ص ٢٢٢ (القدرية : هم الذين يزعمون أن كل عبد خالق لفعله ، ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير الله تعالى).
(٣) في المطبوعة (ليس فيها تضمن).
(٤) هو علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الفقيه الأصولي ، الملقب سيف الدين الآمدي. ولد سنة (٥٥١) ه. اشتغل بفنون المعقول وحفظ منه الكثير ، ولم يكن في زمانه أحفظ منه لهذه العلوم ، واشتغل عليه الناس وانتفعوا به. وله من التصانيف «أبكار الأفكار» و «دقائق الحقائق» و «رموز الكنوز» وغيرها. توفي سنة (٦٣١) ودفن بسفح جبل قاسيون. (ابن خلّكان ، وفيات الأعيان ٣ / ٢٩٣) وكتابه ذكره حاجي خليفة أيضا في كشف الظنون ١ / ٤ وقال («أبكار الأفكار في الكلام» ... ، وهو مرتب على ثماني قواعد متضمنة بجميع مسائل الأصول ، في العلم (١) ، في النظر (٢) ، في الموصل إلى المطلوب ... ، ومختصره «رموز الكنوز» له أيضا).
(٥) ليست في المخطوطة.
(٦) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضياللهعنه ، أخرجه البخاري في الصحيح ٩ / ٦٨ كتاب فضائل القرآن
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
