جوزنا ذمه ومعاقبته على إخلاله بما وجب عليه بعد ما أعطى القدرة على ذلك ، وخلي بين فعله وأن لا يفعل ، وأزيحت علته ، فكيف يشبه أحد المذهبين الآخر ، وهل هذا إلا من قلة التمييز والتحصيل.
ومن ذلك قولهم : إنكم إذا جوزتم أن يعاقب المكلف على أن لا يفعل ما وجب عليه ، فكأنكم جوزتم أن يعاقب على العدم وذلك محال ، لأن هذا الفعل كان معدوما ولم يستحق عليه ذما ولا عقابا ، وأيضا ، فإن العدم لا يقع فيه اختصاص ، فكان يجب إذا أخل أحد بالواجب أن يستحق جميع من في العالم الذم ومعلوم خلافه.
والجواب عنه كالجواب عما سبق ، وهو أنه لم يستحق الذم والعقاب على العدم ، حتى يلزم ما ظنوه وإنما استحق ذلك على إخلاله بالواجب مع التمكين وإزاحة العلة.
ومنها : ما يقولونه في ذلك : أن المكلف لو استحق الذم والعقاب على الإخلال بما وجب عليه ، لوجب أن يستحق المدح والثواب على أن لا يفعل ما هو قبيح منه ، وهذا يوجب في المكلف إذا جمع بين هذين الأمرين أن يكون مستحقا للثواب والعقاب وذلك محال ، ما أدى إليه ويقتضيه وجب أن يكون محالا ، وليس ذلك إلا القول بأن لا يفعل ليس حجة في استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب.
وجوابنا ، إنما كان يلزم ما ذكرتموه إن لو لم يقل بالإحباط والتكفير فأما ومن قولنا أنه إذا جمع بين هذين الأمرين كان الحكم للأغلب منهما ، على ما نقوله فيما لو جمع بين الفعلين استحق على أحدهما الثواب وعلى الآخر العقاب. فإن هذا الكلام ساقط. ومتى قالوا : أن لا يفعل نفي ، والنفي لا يقع فيه التزايد فكيف يكون أحدهما أغلب من الآخر ، وكيف يثبت لأحدهما حكم لا يثبت مثله في الآخر؟
كان الجواب ، إن التزايد والحال ما ذكرتموه إنما يقع في الثواب المستحق على أن لا يفعل القبيح المستحق على الإخلال بالواجب ، على مذهبنا أن الإحباط والتكفير إنما يقعان بين المستحقين ، لا على ما يقوله أبو علي أنهما إنما يقعان بين الفعلين أو بين الفعل وأحد المستحقين ، فقد هذا السؤال أصلا.
ومما يورده أصحاب أبو علي في هذا الباب ، عبارات لا متعلق لهم بها ، نحو قولهم : إن من لم يرد الوديعة أو أخل بغيره من الواجبات ، يسمى ظالما وغاصبا ومتعديا إلى غير ذلك من الألفاظ ، وهذه الألفاظ والأسامي ، إنما تشق عن الأفعال ،
