المعاني ، وذلك محال.
وأيضا ، فإنه تعالى قد منّ على رسوله موسى عليهالسلام بقوله : (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي) [الأعراف : ١٤٤] فالامتنان لا يقع إلا بالمحدث دون القديم.
وأيضا ، فإنا نقول لهم : ما تقولون فيما نتلوه ونسمعه في المحاريب ونكتبه في المصاحف؟ أفتقولون : إنه كلام الله تعالى؟ فإن قالوا : لا فقد انسلخوا عن الدين وخلعوا ربقة الإسلام عن أعناقهم ، وأخرجوا كلام الله تعالى من أن يصح الرجوع إلى في الأحكام وتمييز الحلال من الحرام ، وردوا على الله قوله : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) [التوبة : ٦] وعلى النبي صلىاللهعليهوآله قوله : «إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي» فإن هذا هو المتروك فيما بيننا دون ما هو قائم بذات الباري. فإن قالوا : نعم ، ولا بد لهم من ذلك ، فلا شك في حدوثه.
فإن قالوا : إن تحصيل مذهبنا في ذلك هو أن هذا حكاية كلام الله تعالى.
قلنا : إن هذا بخلاف ما عليه الأمة ، وعلى أنه كان يجب أن يكون محدثا ، لأن الحكاية يجب أن تكون من جنس المحكى ، والجنس الواحد لا يجوز أن يشتمل على القديم والمحدث.
فإن قالوا : إن هذا عبارة كلام الله تعالى ، قلنا لهم : إن العبارة أيضا يجب أن تكون من جنس المعبر عنه ، خاصة إذا كانا كلامين ، وذلك يقتضي حدوثه على ما نقوله ، فهذه جملة الكلام في أنه تعالى لا يجوز أن يكون متكلما بكلام قديم.
وإذ قد عرفت ذلك ، فاعلم أن في الناس من ذهب إلى أنه تعالى متكلم لذاته ، وهو محمد بن عيسى الملقب بالبرغوث ، والذي يدل على فساد مذهبه في هذا الباب ، أن المتكلم بما بيناه إذا كان فاعل الكلام لا أن له بكونه كذلك حالا ، فمن أثبت الله تعالى متكلما لذاته فقد أخرجه عن كونه متكلما أصلا ، وصار الحال فيه كالحال فيما إذا قلنا إنه تعالى قادر لذاته عالم لذاته ، فكما أن ذلك يقتضي نفي القدرة والعلم عن الله تعالى ، وإن كان لا يفيد خروجه عن كونه عالما قادرا ، لما كان للعالم بكونه عالما حال ، وللقادر بكونه قادرا حال ، كذلك في مسألتنا.
ويدل على ذلك أيضا ، هو أنه لو كان متكلما لذاته لوجب أن يكون متكلما بسائر ضروب الكلام وأجناسه ، لأن ضروب الكلام وأجناسه غير مقصورة على بعض
