وبعد ، فإن المعدوم مما لا يوجب الحكم ، لأن الإيجاب إنما يصدر عن الصفة المقتضاة عن صفة الذات ، وهي مشروطة في سائر الذوات بالوجود ، أو يكون تأثيره على طريق التصحيح فهو الفاعل ، وصفات الفاعل المتعلقة منها ـ فإن ما لا يتعلق لا يؤثر في الغير ـ محصورة معدودة كونه قادرا عالما مريدا كارها مشتهيا نافرا ظانا ، وأي ذلك كان فلا يجوز أن يؤثر فيه.
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المؤثر في كون الكلام أمرا وخبرا إنما هو كونه قادرا؟ قلنا : لأن تأثير القادر لا يتعدى طريقة الإحداث ، وكون الكلام أمرا وخبرا أمر زائد على ذلك.
وبعد ، فإن كونه قادرا ثابت في حال السهو ، ثم لا يصح منه الإخبار في تلك الحال.
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المؤثر في ذلك إنما هو كونه عالما؟ قيل : لأن حال كونه عالما مع هذا المخبر كحاله مع غيره مع المخبرين ، فيجب أن يكون خبرا عن سائرهم أو لا يكون خبرا عن واحد منهم ، فأما أن يكون خبرا عن واحد منهم دون ما عداه ، فلا. إلا أن هذا إنما يجب في ما يكون تأثيره على طريق الإيجاب ، فأما ما يؤثر على طريق التصحيح فإن ذلك لا يجب ، وكونه عالما إنما يؤثر على طريق التصحيح ، فالأولى أن نقول : إن العلم يتبع المعلوم ويتعلق به على ما هو عليه ولا يؤثر فيه ، إذ لو أثر العلم في المعلوم لوجب في المعلومات كلها ، نحو القديم والجوهر والأعراض أن تكون متعلقة بعلومنا ، حتى إن زال العلم زال وإن ثبت ثبت ، وقد عرفنا فساده.
ولا شبهة في أن كونه مشتهيا ونافرا وظانا مما لا يؤثر في كون الكلام أمرا خبرا ، أو كما لا يجوز أن يكون المؤثر فيه هذه الأوصاف ، وفكذلك لا يجوز أن يكون المؤثر فيه كونه كارها ، لأن الكراهة تمنع الفعل ، فضلا عن أن تكون مؤثرة فيه.
فهذا هو الكلام في الإرادة.
وأما الكلام في الكراهة فكمثل ، لأن كل ما ذكرناه في باب كونه مريدا يعود هاهنا ، وكما أن الدلالة العقلية تدل هاهنا على هذه الجملة التي مضت ، فالدلالة السمعية توافقها. قال الله تعالى : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة :
