على عادتهم في الاختصار ، وعلى هذا قال الشاعر :
|
فو الله ما أدري وإن كنت داريا |
|
بسبع رميت الجمر أم بثمان |
وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : لن يرى الله أحد في الدنيا ولا في الآخرة. وقد قيل لعلي عليهالسلام : هل رأيت ربك؟ فقال : ما كنت لأعبد شيئا لم أره. فقيل : كيف رأيت؟ فقال ، لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، موصوف بالدلالات ، معروف بالآيات ، هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم.
ثم نتأوله نحن على وجه يوافق دلالة العقل ، فنقول : المراد به سترون ربكم يوم القيامة ، أي ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر. وعلى هذا قال : لا تضامون في رؤيته ، أي لا تشكون في رؤيته فعقبه بالشك ، ولو كان بمعنى رؤية البصر لم يجز ذلك. والرؤية بمعنى العلم مما نطق به القرآن ، وورد به الشعر. فقال الله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ) [الفرقان : ٤٥] وقال : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ)
(بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١)) وقال : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠)) [الأنبياء : ٣٠] وفي الشعر :
|
رأيت الله إذ سمى نزارا |
|
وأسكنهم بمكة قاطنينا |
أي علمت الله تعالى.
وقال حاتم بن طي :
|
أماوي إن يصبح صداي بقفرة |
|
من الأرض لا ماء لدي ولا خمر |
|
ترى أن ما أنفقت لم يك ضرني |
|
وأن يدي مما بخلت به صفر |
|
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى |
|
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر |
|
أماوي إن المال غاد ورائح |
|
وباق من المال الأحاديث والذكر |
فإن قالوا : النبي صلىاللهعليهوآله إنما أورد هذا الخبر مورد البشارة لأصحابه ، وأي بشارة في أن يعلموا الله تعالى في دار الآخرة ، ومعلوم أنهم يعلمونه في دار الدنيا؟ قلنا : إنما بشرنا بالعلم الضروري ، والعلم الضروري لا يثبت إلا في دار الآخرة. فإن قالوا : أي بشارة في أن يعلم الله تعالى ضرورة؟ قلنا : لأن لا يلزم مئونة النظر وتعب الفكر. فإن قال : فيجب على هذا أن يكون المنافقون والمؤمنون سواء ، لأنهم يعلمون الله ضرورة كالمؤمنين. قلنا : إن المنافقين والكفار وإن علموا الله تعالى
