أنهما من مكان واحد ، وإن كانوا يعلمون (١) أنه من إله ، وأتى ب «هو» لرفع ذلك ، ودخلت الفاء في (فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء : ٨٠) ، لأنّه جواب ، ولم يقل : «إذا مرضت فهو يشفين» إذ يفوت ما هو موضوع لإفادة التعقيب ، ويذهب الضمير المعطي معنى الحصر ، ولم ٤ / ٦٩ يكونوا منكرين الموت من الله ، وإنما أنكروا البعث ، فدخلت «ثم» لتراخي ما بين الإماتة والإحياء.
وقوله تعالى : (أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) (الأعراف : ١٩٣) لأن الفعل الماضي يحتمل هذا الحكم دائما ووقتا دون وقت ، فلما قال : (أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) ، أي سكوتكم عنهم أبدا ودعاؤكم إياهم واحد ، ولأنّ «صامتون» فيه مراعاة للفواصل فهو أفصح ، وللتمكين من تطريفه بحرف المد واللّين ، وهو للطبع أنسب من صمتهم ، وصلا ووقفا. وفيه وجه آخر ، وهو أن أحد القسمين موازن للآخر ، فيدلّ على أن المعنى : «أنتم داعون لهم دائما أم أنتم صامتون».
(فإن قيل) : لم لا يعكس؟ (قلنا) : لأن الموصوف الحاضر والمستقبل ، لا الماضي ؛ لأن قبله : (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ) (الأعراف : ١٩٣) ، والكلام بآخره ، فالحكم به قد يرجح.
وقوله تعالى : (أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ) (الأنبياء : ٥٥) ، ولم يقل : «أم لعبت» ؛ لأن العاقل لا يمكن أن يلعب بمثل ما جاء به ظاهرا ، وإنما يكون [ذلك] (٢) أحد رجلين ؛ إما محقّ وإما مستمرّ على لهو الصبا وغيّ الشباب ، فيكون اللعب من شأنه حتى يصدر عنه مثل ذلك ، ولو قال : «أم لعبت» لم يعط هذا.
وقوله تعالى حاكيا عن المنافقين : (آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة : ٨) ، يريدون أحدثنا الإيمان ، وأعرضنا عن الكفر ، ليروج ذلك ، خلافا منهم كما أخبر تعالى عنهم في قوله : (يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (البقرة : ٩).
٤ ـ / ٧٠ وجاءت الاسمية في الردّ عليهم بقوله : (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة : ٨) لأنه أبلغ من نفي الفعل ، إذ يقتضي إخراج أنفسهم وذواتهم عن أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين ، وينطوي تحته على سبيل القطع نفي بما أثبتوا لأنفسهم من الدعوى الكاذبة ، على طريقة :
__________________
(١) في المخطوطة (يزعمون).
(٢) ليست في المخطوطة.
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
