أو معنى وصف الجارحة كلّ هذه لها مسميات حقيقية أو مجازية تستمرّ ، وآثار تتجدّد وتنقطع ، فجاءت بالاستعمالين ؛ إلاّ أن لكلّ محلّ ما يليق به ، فحيث يراد تجدد حقائقها أو آثارها فالأفعال ، وحيث يراد ثبوت الاتصاف بها فالأسماء. وربما بولغ في الفعل فجاء تارة بالصيغة الاسمية ، كالمجاهدين والمهاجرين والمؤمنين ؛ لأنه للشأن [والصفة] (١) ، هذا مع أن لها في القلوب أصولا ، وله ببعض معانيها التصاق قوّى هذا التركيب ، إذ القلب فيه جهاد الخواطر [وعقد العزائم على فعل الجهاد وغيره ، وفيه هجران الخواطر] (٢) الرديئة ، والأخلاق الدنيئة ، وعقد على فعل المهاجرة ، كما فيه عقد على الوفاء بالعهد. وحيث يستمر المعاهد عليه إلى غير ذلك.
٤ ـ / ٦٨ وانظر هنا [إلى] (٣) لطيفة ؛ وهو أنّ ما كان من شأنه ألاّ يفعل إلا مجازاة ، وليس من شأنه أن يذكر الاتصاف به ، لم يأت إلا في تراكيب الأفعال ، كقوله تعالى : (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ) (إبراهيم : ٢٧) ، [و (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ)] (٤) (الرعد : ٢٧) وقال : (وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا) (الحج : ٥٤) : (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (الرعد : ٧).
وأما قوله تعالى : (وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ) (القصص : ٥٩) ، فإنّ الإهلاك نوع اقتدار بيّن ، مع أنّ جنسه مقتضى به على الكلّ ؛ عالين وسافلين (٥) ؛ لا كالضلال الذي جرى مجرى العصيان.
ومنه قوله تعالى : (تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف : ٢٠١) ، لأن البصر صفة لازمة للمتقي ، وعين الشيطان ربما حجبت ، فإذا تذكّر رأى المذكور ، ولو قيل : «يبصرون» ، لأنبأ عن تجدّد واكتساب فعل لا عود صفة.
وقوله : (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) (الشعراء : ٧٨) ، أتى بالماضي في «خلق» ، لأن خلقه مفروغ منه ، وأتى بالفاء دون الواو ، لأنه
كالجواب ؛ إذ من صوّر المنيّ ، قادر على أن يصيّره ذا هدى ؛ وهو للحصر ، لأنهم كانوا يزعمون [٢٦١ / ب] أن آلهتهم تهديهم ، ثم قال : (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) (الشعراء : ٧٩) ، فأتى بالمضارع لبيان تجدد الإطعام والسقيا ، وجاءت الواو دون الفاء ، لأنهم كانوا لا يفرقون بين المطعم والساقي ، ويعلمون
__________________
(١) ليست في المخطوطة.
(٢) ليست في المطبوعة.
(٣) ليست في المخطوطة.
(٤) ليست في المطبوعة.
(٥) في المخطوطة زيادة وهي (عالين وسافلين ، لظاهر الربوبية مرادا ، لا كالضلال).
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
