فأما التوقع فهو نقيض «ما» [التي] (١) للنفي. وتدخل على الفعل المضارع ، نحو : قد يخرج زيد ، تدلّ على أن الخروج متوقّع ؛ أي منتظر. وأمّا مع الماضي فلا يتحقق الوقوع بمعنى الانتظار ؛ لأن الفعل قد وقع ، وذلك ينافي كونه منتظرا [٣٠١ / ب] ، ولذلك استشكل بعضهم كونها للتوقع مع الماضي ؛ ولكن معنى التوقع فيه أن «قد» تدلّ على أنه كان متوقّعا منتظرا ، ثم صار ماضيا ؛ ولذلك تستعمل في الأشياء المترقبة.
وقال الخليل (٢) : «إن قولك : قد قعد ، كلام لقوم ينتظرون الخبر. ومنه قول المؤذن : قد قامت الصلاة ؛ لأن الجماعة منتظرون».
وظاهر كلام ابن مالك في «تسهيله» (٣) أنها لم تدخل على المتوقّع لإفادة كونه متوقعا بل لتقريبه من الحال. انتهى. ولا يبعد أن يقال : [إنها] (٤) حينئذ تفيد المعنيين.
واعلم أنه ليس من الوجه الابتداء بها إلا أن تكون جوابا لمتوقّع ، كقوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (المؤمنون : ١) ؛ لأن القوم توقّعوا علم حالهم عند الله.
وكذلك قوله : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها) (المجادلة : ١) ؛ لأنها كانت تتوقع إجابة الله تعالى لدعائها.
وأما التقريب ، فإنها ترد للدلالة عليه مع الماضي فقط ، فتدخل لتقريبه من الحال ؛ ولذلك تلزم «قد» مع الماضي إذا وقع حالا ، كقوله تعالى : (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) (الأنعام : ١١٩) ، وأمّا ما ورد دون «قد» فقوله تعالى : (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) (يوسف : ٦٥) ، ف «قد» فيه مقدرة ؛ هذا مذهب المبرد والفراء (٥) وغيرهما. وقيل : لا يقدر قبله قد.
وقال ابن عصفور (٦) : إن جواب القسم بالماضي المتصرف المثبت ، إن كان قريبا من
__________________
(١) ساقطة من المخطوطة.
(٢) ذكر قوله سيبويه في الكتاب ٤ / ٢٢٣ ، باب عدة ما يكون عليه الكلم (قد). وابن هشام في المغني ١ / ١٧١.
(٣) في المخطوطة (التسهيل) ، وقد تقدم التعريف بالكتاب في ٢ / ٤٥٨. وقد ذكر قوله ابن هشام في المغني ١ / ١٧٤.
(٤) ليست في المخطوطة.
(٥) انظر معاني القرآن ١ / ٢٨٢ الآية (٩٠) من سورة النساء. والمقتضب للمبرد ٤ / ١٢٤ باب مسائل باب كان وباب إنّ ، والمغني لابن هشام ١ / ١٧٣.
(٦) هو علي بن مؤمن تقدم التعريف به في ١ / ٤٦٦. ونقل قوله ابن هشام في المغني ١ / ١٧٣.
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
