بقيام الليل ، ثم أخبر أنّه له في النهار سبحا طويلا ؛ فلما تقدم ذكر الليل والنهار ، تمّمه بذكر المشرق والمغرب ، اللّذين هما مظهر الليل والنهار ، فكان ورودهما مفردين في هذا السياق ، أحسن من التثنية والجمع ؛ لأن ظهور الليل والنهار فيهما واحد. وإنما جمعا في سورة المعارج في قوله : (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ* عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (المعارج : ٤٠ ـ ٤١) لأنّه لما كان هذا القسم [في] (١) سعة مشارق ربوبيته ، وإحاطة قدرته ، والمقسم عليه إذهاب هؤلاء ، والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب ؛ لتضمّنها انتقال الشمس التي في أحد آياته العظيمة ، ونقله سبحانه لها ، وتصريفها كلّ يوم في مشرق ومغرب ، فمن فعل هذا كيف يعجزه أن يبدّل هؤلاء ، وينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم! وأيضا فإن تأثير مشارق الشّمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهود ، [وقد جعله الله] (٢) بحكمته سببا لتبدّل أجسام النبات وأحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى حال ، ومن برد إلى حرّ ، وصيف وشتاء ، وغير ذلك بسبب اختلاف مشارق الأرض ومغاربها ، فكيف لا يقدر مع ما يشهدونه [٢٥١ / ب] من ذلك على تبديل من هو خير! وأكّد هذا المعنى بقوله : (وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (المعارج : ٤١) فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظ الجمع. ٤ / ١٧
وأما جمعهما في سورة الصافات في قوله : (وَرَبُّ الْمَشارِقِ) (الصافات : ٥) لما جاءت (٣) مع جملة (٣) المربوبات المتعدّدة ، وهي السموات والأرض وما بينهما ، وكان الأحسن مجيئها مجموعة ، [لتنتظم] (٤) مع ما تقدم من الجمع والتعدد.
ثم تأمّل كيف اقتصر على «المشارق» دون «المغارب» ، لاقتضاء الحال ذلك ، فإنّ «المشارق» مظهر الأنوار ، وأسباب لانتشار الحيوان وحياته ، وتصرّفه في معاشه وانبساطه ، فهو إنشاء شهود ، فقدّمه بين يدي [الرد] (٥) على مبدأ البعث ، فكان الاقتصار على ذكر المشارق هاهنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب ؛ فتأمّل هذه المعاني الكاملة ، والآيات ٤ / ١٨ الفاضلة ، التي ترقص القلوب لها طربا ، وتسيل الأفهام منها رهبا!
__________________
(١) ليست في المطبوعة.
(٢) ليست في المخطوطة.
(٣) في المخطوطة (من جملة).
(٤) ليست في المخطوطة.
(٥) وقع في المطبوعة بياض مكانها ، وقد أثبتناها من المخطوطة. (إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ).
![البرهان في علوم القرآن [ ج ٤ ] البرهان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2131_alburhan-fi-ulum-quran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
