الوجه الثالث عشر
الآيات التى تجرد الرسول من نسبته إليه
وذلك أنك تقرأ القرآن فتجد فيه آيات كثيرة ، تجرد الرسول محمدا صلىاللهعليهوسلم من أن يكون له فيها حرف أو كلمة ، وتصفه بأنه كان قبل نزول القرآن لا يدرى ما الكتاب ولا الإيمان ، وتمتن عليه بأن الله آتاه الكتاب والحكمة بعد أن كان بعيدا عنهما وغير مستبعد لهما ولم يكن عنده رجاء من قبل لأن يكون منهل هذا الفيض ولا مشرق ذلك النور. اقرأ قوله سبحانه فى سورة النساء : (وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ. وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ. وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً). وقوله فى ختام سورة الشورى : (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا. ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) : وقوله فى سورة القصص : (وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ).
بل كان صلىاللهعليهوسلم يخاف انقطاع هذا المدد الفياض عنه ، فإذا فتر الوحى عراه من الحزن على فترته والتلهف على عودته ، ما يجعله يمشى فى الشعاب والجبال كأنه يتلمسه ، حتى لقد كاد يتردى مرة من شاهق وهو يطلبه!. وأكثر من هذا أنه كان يخشى أن يتفلت منه شىء أثناء إيحائه إليه لو لا أن طمأنه الله عليه (كما تقدم شرحه فى الوجه العاشر) وأكثر من هذا وذاك أنه كان يخاف أن ينزع الله من قلبه ما أنزل عليه وحفظه إياه ، (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً* إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ؛ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً).
قل لى ـ وربك ـ هل يتصور منصف على وجه الأرض أن القرآن كلام محمد ؛ بعد ما قصصنا عليك من هذه الآيات التى تجرده من إنشائه ووضعه ، بل تجرده من رجاء نزوله عليه قبل مبعثه ، ومن رجاء بقائه لديه بعد نزوله عليه؟ وهل يصح فى الأذهان أن أحدا
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ٢ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4267_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
