حكمة وأكبر الظن أنهم لم يفطنوا إلى هذا ، ولو فطنوا له ما اشتبهوا ولو اشتبهوا بعد فطنتهم له لاخترنا الشق الثانى من هذا الترديد ، ثم أيدناه بتوافر أدلة العقل والنقل عليه كما قررنا.
الشبهة الثانية ودفعها :
يقولون : لو جاز على الله تعالى أن ينسخ حكما بحكم ، للزم على ذلك أحد باطلين : جهله جل وعلا ، وتحصيل الحاصل. وبيان ذلك أن الله تعالى إما أن يكون قد علم الحكم الأول المنسوخ على أنه مؤبد ، وإما أن يكون قد علمه على أنه مؤقت. فإن كان قد علمه على أنه مستمر إلى الأبد ثم نسخه وصيره غير مستمر ، انقلب علمه جهلا والجهل عليه تعالى محال. وإن كان قد علمه على أنه مؤقت بوقت معين ثم نسخه عند ذلك الوقت ، ورد عليه أن المؤقت ينتهى بمجرد انتهاء وقته ، فإنهاؤه بالنسخ تحصيل للحاصل ، وهو باطل.
وندفع هذه الشبهة : بأن الله تعالى قد سبق فى علمه أن الحكم المنسوخ مؤقت لا مؤبد ، ولكنه علم بجانب ذلك أن تأقيته إنما هو بورود الناسخ لا بشيء آخر كالتقييد بغاية فى دليل الحكم الأول ، وإذن فعلمه بانتهائه بالناسخ لا يمنع النسخ بل يوجبه ، وورود الناسخ محقق لما فى علمه لا مخالف له. شأنه تعالى فى الأسباب ومسبباتها ، وقد تعلق علمه بها كلها. ولا تنس ما قررناه ثمة من أن النسخ بيان بالنسبة إلى الله ، رفع بالنسبة إلينا.
الشبهة الثالثة ودفعها :
يقولون : لو جاز النسخ للزم أحد باطلين : تحصيل الحاصل ، وما هو فى معناه. وبيان ذلك أن الحكم المنسوخ إما أن يكون دليله قد غياه بغاية ينتهى عندها ، أو يكون قد أبده نصا : فإن كان قد غياه بغاية فإنه ينتهى بمجرد وجود هذه الغاية ، وإذن لا سبيل إلى إنهائه بالنسخ ، وإلا لزم تحصيل الحاصل. وإن كان دليل الحكم الأول قد نص على تأبيده ثم جاء الناسخ على رغم هذا التأبيد ، لزم المحال من وجوه ثلاثة :
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ٢ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4267_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
