ولسنا هنا بصدد مقارنات فقهية أو موازنات مذهبية ؛ حتى نناصر رأيا على رأى أو نرجح فهما على فهم. فحسبنا فى هذا الموضوع بيان دلالة نظم القرآن الكريم باعتبار معانيه الثانوية على هدايات متنوعة من عقائد وأحكام وآداب وأدلة ولطائف ، وإن اختلفت الناس فى إدراكها على مقدار اختلاف مواهبهم واستعدادهم ، لأن هذه المعانى الثانوية دقيقة الطرق ، لطيفة المسالك ، ومن شأن الدقائق واللطائف أن يكون مجال التفاوت بين الفاهمين لها بعيدا. بخلاف دلالة نظم القرآن الكريم على هداياته باعتبار معانيه الأصلية فإنها واضحة قل أن يقع فيها تفاوت أو خلاف ، لأن هذه المعانى ـ كما قررنا ـ يستوى فيها العربى والعجمى ، والحضرى والبدوى ، والذكى والغبى.
واعلم أن قرآنية القرآن وامتيازه ، ترتبط بمعانيه الثانوية وما استفيد منها ، أكثر مما ترتبط بمعانيه الأصلية وما استفيد منها ، للاعتبارات الآنفة ، ولأن المعانى الأصلية ضيقة الدائرة محدودة الأفق ، أما المعانى الثانوية فبحر زاخر متلاطم الأمواج ، تتجلى فيها علوم الله وحكمته وعظمته الإلهية ، وتظهر منها فيوضات الله وإلهاماته العلوية على من وهبهم هذه الفيوضات والإلهامات من عباده المصطفين وورثة كلامه المقربين ، وأهل الذوق والصفاء من العلماء العاملين ، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه آمين.
إعجاز القرآن :
المقصد الثانى من نزول القرآن الكريم ، أن يقوم فى فم الدنيا آية شاهدة برسالة سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم ، وأن يبقى على جبهة الدهر معجزة خالدة تنطق بالهدى ودين الحق ظاهرا على الدين كله!. ووجوه إعجاز القرآن كثيرة نفصلها فى مبحثها إن شاء الله. بيد أنا ننبهك هنا إلى أن بلاغته العليا وجه بارز من هذه الوجوه. بل هى أبرز وجوهه وجودا ، وأعظمها أفرادا ، لأن كل مقدار ثلاث آيات قصار معجز ، ولو كان هذا
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ٢ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4267_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
