وفى دائرة طاقتهم من نية وعزم وقول وعمل. أما خلجات الضمائر العابرة ، وخطرات السوء ولو كانت كافرة. فلا يتعلق بها تكليف ، لأنها ليست فى مقدور العبد ، والقرآن يقول : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها).
فأنت ترى أن النبى صلىاللهعليهوسلم لم يبين لهم هذا البيان حين سألوه ، لأنه لم يوح وقتئذ إليه. ولو كان من وحى نفسه كما يقول الأفاكون لأسعف أصحابه بالآية الأخيرة ، وأنقذهم من هول هذا الخوف الذى أكل قلوبهم لا سيما أنهم أصحابه وهو نبيهم ، ومن خلقه الرحمة خصوصا بهم (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ). وأيضا لو كان يملك هذا الكلام لعاجلهم بالبيان ، وإلا كان كاتما للعلم : «وكاتم العلم ملعون. فأين يذهبون؟»
(خامسها) ورد أن كبير المنافقين عبد الله بن أبى لما توفى ، قام إليه النبى صلىاللهعليهوسلم فكفنه فى ثوبه وأراد أن يستغفر له ، فقال له عمر : أستغفر له وتصلى عليه وقد نهاك ربك؟ فقال صلىاللهعليهوسلم : إنما خيرنى ربى فقال : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) وسأزيده على السبعين ، ثم صلى عليه. فأنزل الله تعالى : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) فترك الصلاة عليهم.
اقرأ الرواية بتمامها فى الصحيحين ، ثم نبئنى : هل يعقل أن يكون القرآن كلام محمد مع ما ترى من أنه صلىاللهعليهوسلم فهم فى الآية الأولى غير ما فهم عمر ثم جاءت الآية الثانية صارفة للرسول عن فهمه ومؤيدة لعمر؟ أفما كان الأجدر به لو كان القرآن كلامه أن يكون هو أدرى الناس بمراده منه وأعرفهم بحقية المقصود من ألفاظه ، وأن يجيء آخر الكلام مؤيدا لما فهمه هولا لما فهمه غيره؟ لكن الواقع غير ذلك ، فقد سبق إلى فهمه صلىاللهعليهوسلم أن كلمة (أو) فى الآية الأولى للتخيير ، وفهم عمر أنها للمساواة وفهم الرسول أن المراد بكلمة (سبعين) حقيقة العدد المعروف فى العشرات بين الستين والثمانين ، وفهم عمر أنها للمبالغة لا للتحديد فلا مفهوم لها. ولما كان ما فهمه الرسول جاريا على أصل الوضع فى معنى (أو) وفى معنى (سبعين مرة
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ٢ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4267_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
