خبرنى ـ بربك ـ هل يتصور عاقل أن محمدا وهو فى موقف الخصومة الشديدة من اليهود ، تطوع له نفسه أن يتحداهم هذا التحدى من عنده فى لغة الواثق الذى لا يتردد ، والآمن الذى لا يخاف المستقبل؟ وهل كان يأمن أن يرد عليه واحد منهم فيقول : إنى أتمنى الموت؟ وهنا تكون القاضية ، فتنقطع ـ لا قدر الله ـ حجة الرسول ، ويظهر عجزه ، وتفشل دعوته ، أمام قوم هم من أشد الناس عداوة للذين آمنوا ، ومن أحرصهم على إفحام الرسول وتعجيزه.
فصدور هذا التحدى من رجل عظيم كمحمد ، ثم استخذاء هؤلاء وانصرافهم عن الرد عليه وعن إسكاته وهو فى مقدور أقل رجل منهم ، ثم تسجيل هذا الاستخذاء عليهم فى الحال بقوله : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ) وفى الاستقبال بقوله : (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً) : كل أولئك أدلة ساطعة على أن القرآن كلام علام الغيوب ، قاهر الألسنة ومقلب القلوب. وهى أيضا براهين قاطعة على أن محمدا لا يمكن أن يكون مصدر هذا الكتاب ولا منبع هذا الفيض ، بل قصاراه أنه مهبط هذا التنزيل ، وأنه يتلقاه من لدن حكيم عليم.
(المثال الحادى عشر) وهو من عجائب هذا الباب ، أن القرآن عرض لتعيين بعض أحداث جزئية ، تقع فى المستقبل لشخص معين ، ثم تحقق الأمر كما أخبر. هذا هو الوليد ابن المغيرة المخزومى يقول الله فيه : (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) أى سنجعل له علامة على أنفه يعرف بها وقد كان ، ففي غزوة بدر الكبرى خطم ذلك الرجل بالسيف أى ضرب به أنفه ، وبقى أثر هذه الضربة سمة فيه وعلامة له! ولعلك لم تنس أن الوليد هو الذى نزل فيه (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) وما بعدها من الآيات التى ذكرناها قبلا. وهو أيضا الذى نزلت فيه هنا هذه الآيات من سورة القلم : (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ* هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ* مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ* عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ* أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ* إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ* سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ). نعوذ به تعالى من الكفر والعناد وسوء الأخلاق ، ونسأله الإيمان الكامل والعمل الصالح والخلق الفاضل آمين.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ٢ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4267_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
