إثبات ونفى. فما قاله علماء الهيئة بالأمس ينقضه علماء الهيئة اليوم. وما قرره علماء الطبيعة فى الماضى يقرر غيره علماء الطبيعة فى الحاضر. وما أثبته المؤرخون قديما ينفيه المؤرخون حديثا وما أنكره الماديون وأسرفوا فى إنكاره باسم العلم ، أصبحوا يثبتونه ويسرفون فى إثباته باسم العلم أيضا ، إلى غير ذلك مما زعزع ثقتنا بما يسمونه العلم ، ومما جعلنا لا نطمئن إلى كل ما قرروه باسم هذا العلم ، حتى لقد ظهر فى عالم المطبوعات كتاب خطير من مصدر علمى محترم عندهم ، له خطورته وجلالته وشأنه ، فصدع هذا الكتاب بناء علمهم وزلزل أركان الثقة به ، بعد أن نقض بالدليل والبرهان كثيرا من المقررات والمسلمات التى يزعمونها يقينية. ثم انتهى بقارئه إلى أن هذا الكون غامض متغلغل فى الغموض والخفاء ، ومن هنا سمى تأليفه (الكون الغامض). وهذا المؤلف هو السير جميس جينز.
فهل يليق ـ بعد ذلك كله ـ أن نبقى مخدوعين مغرورين بعلمهم الذى اصطلحوا عليه وتحاكموا إليه ، وقد سجنوه وسجنوا أنفسهم معه فى سجن ضيق هو دائرة المادة ، تلك الدائرة المسجونة هى أيضا فى حدود ما تفهم عقولهم وتصل تجاربهم ، وقد تكون عقولهم خاطئة وتجاربهم فاشلة؟؟! ثم هل يليق بعد ذلك كله أن نحاكم القرآن إلى هذه العلوم المادية القلقة الحائرة بينما القرآن هو تلك الحقائق الإلهية العلوية القارة الثابتة ، المتنزلة من أفق الحق الأعلى الذى يعلم السر وأخفى؟! ألا إن القرآن لا يفر من وجه العلم. ولكنه يهفو إلى العلم ويدعو إليه ويقيم بناءه عليه ، فأثبتوا العلم أولا ووفروا له الثقة وحققوه ، ثم اطلبوه فى القرآن فإنكم لا شك يومئذ واجدوه. وليس من الحكمة ولا الإنصاف فى شىء أن نحاكم المعارف العليا إلى المعارف لدنيا ، ولا أن نحبس القرآن فى هذا القفص الضيق الذى انحبست فيه طائفة مخدوعة من لبشر ، بل الواجب أن نتحرر من أغلال هذه المادة المظلمة ، وأن نطير فى سماوات القرآن حيث نستشرف المعارف النورانية المطلقة ، والحقائق الإلهية المشرقة ، وأن نوجه اهتمامنا دائما إلى استجلاء عظات هذا التنزيل وهداياته الفائقة ، وألا نقطع برأى فى تفاصيل
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ٢ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4267_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
